«دبوس» فاكر نفسه «مغناطيس»

أسامة كمال

أسامة كمال

كاتب صحفي

كلمة انتشرت مؤخراً فى كل مكان، هى «الاستقطاب»، وتأتى دائماً فى سياق سياسى يتحدث عن الأسلوب، الذى تتبعه الدول الكبرى مع بلدان أقل تقدماً فتسعى للهيمنة عليها.. وداخل المجتمع نفس اللفظ يطلق على سعى القوى السياسية، لأن تكون كطرف المغناطيس أو القطب الذى يجتذب المعادن، فتلتصق به.. فنسمع المثقفين يشكون من حالة استقطاب شديدة فى المجتمع فى الآونة الأخيرة، وهو أمر غريب لأن نفس المثقفين يسعون بشكل أو بآخر لاستمالتك نحو أفكارهم، وهذا هو الاستقطاب بعينه.

ستيف جوبز، مؤسس شركة أبل العالمية، المعروف بقدراته على الإبداع وكسر المألوف أعطى محبيه مجموعة نصائح قبل أن يرحل عن الدنيا، فقال: «وقتك فى الحياة محدود.. فلا تضيعه فى عيش حياة الآخرين، ولا تصبح أسيراً لمعتقداتهم، وإلا عشت نتاج تفكير شخص آخر.. اتبع قلبك وحدسك، لأنهما يعرفان بشكل أو آخر ما الذى تريده من الحياة دون أن تدرى»..

نصيحة هذا العبقرى، الذى احترمه العالم لنا هى ألا نكون أسرى لمعتقدات الآخرين، فالوقت الذى نمضيه فى الحياة محدود وفترة العطاء أكثر محدودية، وهى حياة واحدة التى نعيشها، فعلينا ألا نعيش أسرى لأفكار ناس عاشوا فى زمن غير الزمن أو يعيشون بيننا ولكن حياتهم غير حياتنا.. وأنا شخصياً لا أثق فى شخص يبذل جهداً كبيراً لتتطابق أفكارى مع أفكاره، ومعتقداتى مع معتقداته وتوجهاتى مع توجهاته كائناً من كان هذا الشخص، فقد خلقنى الله إنساناً مستقلاً أنتقى مما حولى من كلام ما يشبع طموحاتى، وما يجيش فى صدرى..

إنها فكرة الاختلاف، التى خلقنا الله عليها.. فلو أراد الخالق أن نكون نسخاً من بعضنا لخلقنا على هذا النحو.. ولكننا مختلفون فى كل شىء، وكل منا له بصماته الخاصة، بصمات أصابع وبصمة عين وبصمة وجه وبصمة أسنان وأخيراً اكتشفوا بصمة الأذنين، بالإضافة لبصمة الحمض النووى غير ما يكتشف فى المستقبل، كلها تجعلنا مختلفين مهما اتفقنا فى بعض الأفكار والمواقف.. لذا فعلى كل من يسعى لتطابق وجهات نظر الآخرين معه أن يتوقف عن هذا السعى غير المفيد ويمتثل لحقيقة أن كلاً منا له فكره وأسلوبه..

نستيقظ على المذيع فى الراديو والكاتب فى الصحيفة والزميل فى العمل والزوج أو الزوجة فى المنزل ومقدم البرامج ليلاً والأصدقاء على المقهى، ثم على مواقع التواصل الاجتماعى يحاولون جميعاً استقطابنا.. الكل أصبح قطب أو طرف مغناطيس يتعامل مع الآخرين، وكأنهم دبابيس يجتذبها لتلتصق به.. أنا أرفض أن أكون هذا الدبوس، الذى ينجذب لشخص مغناطيسى النزعة تصيبه حالة عصبية لو فشل فى اجتذابى، فيكيل لى الاتهامات أحياناً والسباب أحياناً أخرى وصولاً إلى درجة القطيعة بين الأصدقاء وحتى الأقارب..

ويتكرر الأمر من أشخاص لا نعرفهم.. يبدأون التعارف وينهونه بطبيعة الحال فى نفس اللحظة بسبك، لأنك لست متطابقاً معهم رغم أنه لا يعرف أن قطباً أكبر اجتذبه، فظن نفسه مغناطيساً، ولكنه فى الواقع مجرد دبوس «شايف نفسه».. عفواً صديقى القطب فى نظر نفسه، الدبوس فى نظر الآخرين، وقتى فى الحياة محدود، فلن أضيعه فى عيش حياة الآخرين ولن أكون أسيراً لمعتقداتهم ولن تصبح حياتى نتاج فكر شخص آخر.. لم أتمرد على أبى ولكننى اخترت ما يناسبنى من أساليبه وتركت الباقى.. وإن كنت فعلت ذلك مع أبى ولم أعش فى جلبابه، فلن أجد غضاضة فى عدم العيش فى جلباب صديق أو شخص لا أعرفه إلا عن طريق الفيس بوك.. لذلك أقول «بالسلامة يا دبوس فاكر نفسه مغناطيس»..