وهم البنك الدولى

محمد فهمي

محمد فهمي

كاتب صحفي

يمكننا تعريف الاقتصاد السياسى ببساطة بأنه مجال دراسة العلاقة ما بين الاقتصاد والسياسة. وقد صُنِّف رواد العلوم الاجتماعية مثل كارل ماركس وآدم سميث على أنهم من مفكرو الاقتصاد السياسى. كان هذا قبل تشعب العلوم الاجتماعية مع بدايات القرن العشرين وتصنيفها إلى أفرع محددة مثل الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع، لكن هذا تم تصنيف تأثر بالقوى السياسية والاقتصادية التى هيمنت على مقاليد العلاقات الدولية خلال القرن العشرين والتى رأت أنه من المصلحة النظر للاقتصاد باعتباره علما اجتماعيا مستقلا بذاته. من مساوئ هذا الاتجاه أنه أدى إلى تطور العديد من الأفكار والنظريات الخاصة بالاقتصاد بمعزل عن السياسة، مما أفرغ الفكر الاقتصادى من مضمونه الشامل الذى يأخذ فى الاعتبار المتغيرات السياسية والمجتمعية. وفى السنين الأخيرة، ومع تكرار النماذج الفاشلة للنظريات التنموية المعتمدة كلياً على هذا الفكر الاقتصادى المنعزل، الذى تمثل بوضوح فى برامج وسياسات المؤسسات المالية الدولية المعروفة بهيئات «إجماع واشنطن»، كصندوق النقد والبنك الدوليين، برزت الحاجة إلى تطوير الفكر الاقتصادى وربطه بالسياق السياسى والمجتمعى الذى يهدف إلى تنميته. على سبيل المثال، لم يعد من الممكن أن نعتد بالأرقام الخاصة بزيادة الناتج المحلى وتقلص التضخم أو ارتفاع نسبة الاستثمار وضبط عجز الموازنة وميزان المدفوعات على أنها المؤشرات الأهم فيما يخص التنمية الشاملة. بل أصبح من الضرورى أن نركز على جودة العملية التنموية، مما يعنى أن المعدلات المتعلقة بنصيب الفرد الحقيقى من زيادة الناتج المحلى (توزيع الدخل) وجودة الخدمات الصحية والتعليمية المتوافرة للمواطن -كماً وكيفاً- هى أيضاً مؤشرات تنموية فى غاية الأهمية. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن النظر إلى التنمية الاقتصادية بمعزل عن التنمية البشرية المستدامة التى تتضمن أيضاً رفع كفاءة الفرد وزيادة مشاركته فى المجتمع، مما يعنى بالضرورة تحقيق التنمية السياسية. وتبنى النظام السابق هذه النظرة القاصرة للاقتصاد واعتبره مجالاً منفصلاً عن السياسة والمجتمع، فانطلق وزراؤه يشدون ويهللون بالنجاحات الاقتصادية الباهرة ودَعَّم ادعاءاتهم تلك تقارير «إجماع واشنطن». ففى تقريره الصادر فى أواخر عام 2010، أى قبل أيام معدودة من اندلاع الثورة فى تونس ومصر، خص البنك الدولى هذين البلدين تحديداً بالإشادة واعتبرهما مثالاً لقصص النجاح التنموية. ولذا فمن المهم أن تطرح قضية التنمية الشاملة للحوار المجتمعى العام فى مصر الثورة. فلم يعد من المقبول أن تستمر الدولة فى نهج النظام السابق والذى اعتمد بشكل كبير على القروض المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية لتحقيق نموذج تنموى قاصر، يربط التنمية بمؤشرات وإحصاءات غير معبرة عن الواقع الذى يعيشه المواطن، ويعجز عن طرح رؤية متكاملة للتنمية الشاملة والمستدامة.