«حديث الجنود».. ذل النهار بـ«أسيوط» وموت الليل فى «البدرشين»
قفز فى جلبابه الفقير.. ودس وجهه فى شال فلسطينى يقيه من البرد، لم يظفر بوداع لائق من أبويه المشغولين بسبعة غيره من الأبناء، بالأمس أوصته أمه كثيراً بالمرونة خلال فترة التجنيد كى تمر بسلام دون مشكلات، خرج من البيت حاملاً شنطة سفره الأخير.. متوجهاً إلى منطقة تعبئة وتجنيد أسيوط، فى المنطقة العسكرية كان مئات غيره فى انتظار الرحلة التى لن تنتهى إلا بانقضاء مدة التجنيد بعد عامين من تاريخه.
داخل القطار كانت أكوام اللحم بعضها فوق بعض، «وصلنا لأن كل كرسى بيقعد عليه ثلاثة أو أربعة، وفى العربية العدد بيوصل لمائة فرد» يقول شنودة نصرى، أحد الجنود الذين كانوا على متن القطار المنكوب.
الساعة تدق السادسة، مئات الشباب يتقافزون فوق شريط القطار فى طريقهم إلى رصيف قصير، فى انتظار قطار سينقلهم إلى مركز تدريب مبارك، لا سبيل للتعارف وسط الزحام، وصل القطار ليقفز الكل من كل باب ونافذة، اطمأن القادة لركوب الجميع، يقف ضابط فى مواجهة الجنود الجدد قبل الركوب منبهاً عليهم: «امشى عدل محدش يكلمك، ولو ماشى عدل والعسكرى اللى أقدم منك كلمك تعالى اشتكيه ليا».
من سوهاج انطلق الجندى المستجد محمد على، عشرينى العمر، إلى منطقة التجنيد بأسيوط، لم يتخيل أن أداة توصيله الوحيدة إلى مركز التدريب فى القاهرة ستكون سبباً فى وفاة أحد أصحابه، بعد الخروج من أسيوط لاحظ «على» اهتزازة شديدة فى العربات الأخيرة للقطار، وعرفت فى المنيا إن المهندس قال إنه محتاج صيانة، وإنها هتتعمل فى القاهرة يقول على.
عقارب الساعة تلتقى عند الثانية عشرة منتصف الليل، الاهتزازة لا تزال موجودة فى العربة أو العربتين الأخيرتين بوضوح.
توقف الضجيج الشبابى بشهقة اندهاش أطلقها المعظم من الجنود المستجدين، عندما سمعوا صوت ارتطام شديد، أحدهم نظر من الشباك ناظراً إلى الوراء قليلاً: «القطر ولع.. القطر خبط فى قطر البضاعة.. القطر اتفصل.. وقف» صرخ الشاب الجندى.
يذكر محمود. م، أحد الجنود الذين استقلوا العربة السابقة للعربة المنكوبة، أن «القطار فجأة بطأ بعد ما كان ماشى بسرعة مخيفة، اندفعت مع الكل لقدام وقعنا فوق بعض.
توقف القطار، وصاح الجميع رغبة فى النزول، أخرج العساكر القدامى هراوات سوداء، واستعانوا على الجنود المستجدين بالسب والشتائم «قالوا لنا إياكم يا ولاد.. تتحركوا أو تنزلوا، فضلنا على حالنا عايزين ننزل لحد أكتر من نص ساعة».