«الدراع اليمين»: «مصطفى» ساب المدرسة علشان الجنيه ويساعد والديه بـ«صاج الفطير»

كتب: إمام أحمد

«الدراع اليمين»: «مصطفى» ساب المدرسة علشان الجنيه ويساعد والديه بـ«صاج الفطير»

«الدراع اليمين»: «مصطفى» ساب المدرسة علشان الجنيه ويساعد والديه بـ«صاج الفطير»

فى السنة الأولى من المرحلة الإعدادية انقطعت صلته بالدراسة نهائياً، غادر فى نهاية يوم دراسى من البوابة الحديدية لمدرسته بحى الجمالية بعد انطلاق جرس الحصة الأخيرة دون أن يعود إليها مجدداً، لم يكن قراراً شخصياً اتخذه، لكنه توجيه الأب الذى دعاه لمساعدته فى محل إعداد وبيع الفطائر الجاهزة مصدر الرزق الوحيد للأسرة، ووافق عليه «مصطفى»، ذو الـ13 عاماً، فاستيقظ فى اليوم التالى فى الثامنة صباحاً، لكن ليس بهدف الذهاب إلى طابور الصباح هذه المرة، وإنما لمصاحبة أبيه إلى محل الفطائر.

هو الابن الوحيد لوالده الأربعينى، وأمه التى تخطت عامها الثلاثين، أسرة مكونة من ثلاثة أفراد لا تملك إلا بيتاً صغيراً، ومحلاً يجلب إليهم نفقاتهم اليومية، رغبة الأب فى زيادة العمل والربح دفعته لمطالبة ابنه الصغير لمساعدته، «بنبتدى الشغل من 10 الصبح، وبنقفل وقت العصرية ساعتين، ونفتح تانى فى آخر النهار. أمى وأبويا بيقفوا فى المحل، وأنا بوزع فى الشارع وبعمل طلبيات لأصحاب المحلات والورش القريبة مننا»، مهنة أشبه بـ«الديليفرى» يواظب عليها «مصطفى» على مدار عام، ساهمت فى زيادة الربح اليومى الذى تدخره الأسرة: «أبويا قالى إنى من ساعة ما نزلت المحل معاه والفلوس زادت، الحمد لله الحال بقى أحسن من الأول، مش زعلان إنى سبت المدرسة، لأنى بعمل حاجة مفيدة وبساعد أهلى».

صاج حديدى يمتلئ بالفطائر محمولاً على عجلات يدفعها للأمام، يجول بها بين الشوارع ليبيع الواحدة مقابل جنيهين فقط، ثم يعود إلى المحل الصغير الذى لا تتجاوز مساحته ثلاثة أمتار، يؤكد «مصطفى» أنه سعيد بعمله رغم الإجهاد الذى يتحمله فى رحلته اليومية: «صحيح بتعب، لكن شغال فى ملك أبويا، مش عند واحد غريب يتحكم ويبيع ويشترى فيا»، سبب رئيسى يجعله يؤدى عمله دون شكوى أو ملل، ودون حنين للعودة إلى طفولته أو أيام الدراسة: «أشتغل أحسن ما أضيع الوقت فى اللعب والجرى، وبعدين باخد يوم الأحد إجازة من كل أسبوع، وأبويا بيسيبنى أعمل اللى أنا عايزه»، على هذا النحو صارت حياة الطفل الصغير، بلا شكوى وبلا دراية بالكلام عن حقوق الطفل، الجنيه وحده هو أهم الحقوق التى يحصل عليها ويتمنى استمرارها، يقول جازماً: «مفيش حاجة أهم من الفلوس، وطالما شغالين وبنكسب ومش بنمد إيدينا لحد يبقى إحنا تمام».

«كاب» أسود على رأسه يقيه من أشعة الشمس، وبنطال جينز قديم ينتهى إلى حذاء رياضى «شعبى» يساعده على الحركة لساعات طويلة، على هذا الحال يتنقل «مصطفى» بين الحارات والأزقة والشوارع الرئيسية بأنواع متعددة من الفطائر التى خبزها والداه. لا يخطط لأى أحلام مستقبلية، ولا تدور داخل عقله أمانى صعبة أو حتى سهلة المنال.. «مش عاوز حاجة، إحنا عايشين كويس»، يقول مبتسماً وسعيداً وملامح الرضا على وجهه، يتذكر أول يوم نزل فيه إلى العمل: «حسيت بتعب وأبويا كان بيضغط عليا»، إلا أن الوضع تغير الآن، وحالة اليوم الأول باتت جزءاً من الذاكرة فقط: «خلاص بقى، دلوقتى اتعودت، بلف وأتحرك طول اليوم وعارف هعمل إيه كويس، والجماعة -يقصد والده ووالدته- بقوا مطمنين عليا وعارفين إن هسلك فى أى حاجة ومش هضيع تعبهم».


مواضيع متعلقة