«7» نقاط تعيد رسم المشهد بعد مبادرة «السيسى»

كتب: أحمد الطاهرى

«7» نقاط تعيد رسم المشهد بعد مبادرة «السيسى»

«7» نقاط تعيد رسم المشهد بعد مبادرة «السيسى»

يعرف عالم الدبلوماسية، ويعرف علم التفاوض، مصطلحاً دبلوماسياً يدعى «dead lock».. وهو يعنى الوصول إلى حالة قاتمة للمشهد تستدعى اختراقاً بقرار جرىء يغير من المعادلة.. هذه الحالة وصلت لها مصر بعد انتصار أكتوبر 1973 وبدأ الحديث عن السلام من قبل أطراف دولية عدة وأطراف عربية غير مرتبة، واستمر نزيف الوقت دون إحداث أى تقدم إلى أن قام الرئيس الشهيد محمد أنور السادات عام 1977 بإعلانه مبادرة السلام واستعداده للذهاب إلى الكنيست.. مَثّل هذا الإعلان اختراقاً عنيفاً للمشهد، ومن خلاله تمت إعادة ترتيب أوراق عملية السلام بشكل مختلف سواء بين أطرافها المباشرين أو الرعاة الدوليين الذين اختزلهم الرئيس السادات حينها فى الولايات المتحدة الأمريكية التى كانت تمتلك 99٪ من أوراق اللعبة فى ذلك العصر فتم تأسيس شرق أوسط مختلف وعلاقة استراتيجية مع واشنطن ونجحت مصر فى تحقيق مرادها باستعادة سيادتها على كامل التراب الوطنى. {left_qoute_1}

وبعد 39 عاماً من اختراق السادات، جاء «إعلان أسيوط»، وعلينا أن نتذكر هذا المسمى جيداً؛ لأنه سيكون عنوان توثيق الرسائل المباشرة التى بعث بها الرئيس السيسى إلى العالم من خلال كلمته فى أسيوط.

الرئيس السيسى وإن حرص على التأكيد أن كلامه لا يعكس مناورة لأنه ليس فى صفاته التآمر أو المناورة إلا أن هذا لا يمنع أن نزن كلامه داخل قالب أننا أمام رجل دولة يتمتع بدهاء سياسى واضح.. وبعين المراقب يمكننا أن نرصد تبعات محتملة أو وشيكة لـ«إعلان أسيوط» قد يكون بعضها حاضراً فى أجندة الرئيس السيسى وقد تكون أبعاد أخرى فى الصورة لا تهمه أو تعنيه لأن التجربة أثبتت أننا أمام قائد محنك يصمم على تحقيق الهدف ولا يلتفت إلى عوامل تأثير أخرى قد تكون مشتتة للذهن وللإرادة.. ومن وجهة نظرى أرى أن إعلان أسيوط سينتج عنه آثار فى عدة محاور على النحو التالى: {left_qoute_2}

 

1

ارتباك الإعلام الغربى

لم يعد سراً أن دوائر إعلامية غربية حرصت على وضع مصر منذ ثورة يونيو وإلى اليوم فى قالب الدولة التى تمضى على نهج غير سليم واختصرت الصورة المصرية الشاملة فى قضايا فرعية تركز عليها وتراها نقاط ضعف فى الوضع المصرى الجديد ومنها تحاول تمرير رؤيتها أو أجندتها داخل مصر.. هذه الدوائر ما زالت تتعامل مع ثورة يونيو على أنها انقلاب عسكرى وتصمم على رسم صورة الدكتاتور لرئيس مصر.. وتعتمد فى تقاريرها على جماعات مصالح مرتبطة بها داخل مصر.

الآن، وبعد «إعلان أسيوط» بات على هذه الدوائر النظر إلى مصر بعين أخرى وهى أنها أمام الدولة المحورية فى الشرق صاحبة الدور الرئيسى فى القضية المركزية وهى قضية السلام وأنه لن يستطيع أحد أن يلعب هذا الدور فى المنطقة إلا مصر وكذلك بات على هذه الدوائر أيضاً أن تعيد فهم الفكر الذى يحكم مصر وأنها أمام دولة قوية يقودها رجل دولة قوى قادر على المبادرة.

 

2

الإدارة الأمريكية الجديدة

من ناحية التوقيت جاء «إعلان أسيوط» بينما تدخل الانتخابات الأمريكية أسابيع وشهور الحسم، وأياً كانت النتائج فإن إعادة قضية السلام إلى المشهد بقوة ستشكل رئة جديدة للإدارة الأمريكية المقبلة ستسعى للاستفادة منها بعد النزيف الذى تعرض له الدور الأمريكى فى المنطقة فضلاً عن الصورة السلبية بل العدائية التى تركتها إدارة أوباما فى الذهن العربى بشكل عام، إذ باتت هذه الإدارة فى قالب الداعم للإرهاب والتطرف فكراً وتنظيمات وأنها عملت على تمكين الإرهاب من حكم الدول العربية وواجهت إرادة الشعوب العربية، فضلاً عن انفتاح الإدارة الأمريكية المشبوه على إيران بما يشكل تهديداً لأمن المنطقة العربية.

الآن ستكون أمام الإدارة الأمريكية المقبلة فرصة ذهبية لإعادة تقديم صورة مغايرة للولايات المتحدة ودورها والنجاح فى قضية السلام وتأسيس الدولة الفلسطينية سيمثل إنجازاً تاريخياً لهذه الإدارة.

 

3

السلطة الفلسطينية

تعيش السلطة الفلسطينية -الجهة الشرعية الممثلة للشعب الفلسطينى- فترة حالكة السواد منذ ثورات الربيع العربى إذ تراجع الاهتمام العربى والدولى بالقضية الفلسطينية فأصبح ظهر السلطة مكشوفاً أمام الطرف الإسرائيلى الذى استغل الوضع وتوسع فى عمليات الاستيطان.

والمتابع للتحركات السياسية للسلطة يكتشف أنها تعمل من منطلق أن القضية عادت إلى نقطة الصفر.. بات عليها أن تعرف محيطها العربى بأهمية القضية مجدداً وأن تتعامل مع جيل عربى ثائر لكنه غير مكترث بالقضية ويختزلها فقط فى معبر رفح والمساعدات الإنسانية لقطاع غزة وهى الصورة التى رسختها قطر بممارستها السياسية وبذراعها الإعلامية المتمثلة فى قناة الجزيرة.. أصبح الآن يعيش جيل من الشباب العربى لا يعرف شيئاً عن أساس القضية وهو التحرر الوطنى وتأسيس دولة عاصمتها القدس الشرقية.

الآن تلقت هذه السلطة «قبلة الحياة» بعد «إعلان أسيوط»؛ لأن مصر الداعم الأساسى والتاريخى للقضية الفلسطينية عادت وبقوة إلى المشهد وحددت قضية السلام كتوجه استراتيجى لسياستها الخارجية فى الفترة المقبلة.

 

4

الرأى العام الإسرائيلى

جاء «إعلان أسيوط» مخاطباً الداخل الإسرائيلى بشكل مباشر ومركز وفى ذلك تقوية للجناح المعتدل فى الداخل الإسرائيلى فى مواجهة الجناح المتطرف.. هذا التيار السياسى هو الآخر كان قد فقد الكثير من التأثير فى السنوات الماضية بل منذ عقود وتحديداً منذ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلى «رابين».. الآن حصل هذا الجناح على مساحة سياسية جديدة مكتسبة داخل المشهد السياسى الإسرائيلى فى مواجهة اليمين المتطرف وأصبح رئيس الوزراء «نتنياهو» فى موقف المتلقى للمبادرة وعليه أن يتفاعل معها بجدية.. سيحاول هو التحكم فى سرعة الحركة فى الأيام المقبلة وهنا سيكون فى مواجهة الجناح المعتدل الذى سيصعد بغرض استغلال فرصة السلام.

 

5

خصوم الحكم فى مصر

للحكم فى مصر خصوم وليس «معارضة»، وهم التيار الإسلامى المتطرف وكذلك اليسار المتطرف. وللمفارقة أن الإسلاميين واليساريين يعيشون فى معية دوائر تأثير غربية منذ ثورة يونيو سواء كانت دوائر إعلامية أو حقوقية وكذلك سياسية.. وتشكل قضية السلام خصماً أيديولوجيا لهذه التيارات.. وبـ«إعلان أسيوط» أصبحت هذه التيارات فى مأزق جديد.

هذا المأزق سيظهر فى الأيام المقبلة.. سيتخلى عنهم حلفاؤهم إذا أصبحوا خصماً للإرادة الدولية والغربية فى قضية السلام.. وسيتخلى عنهم أنصارهم إذا تخلوا عمّا زرعوه فى عقولهم على أنه معتقد.

 

6

السيناريوهات المقبلة

فى تقديرى أن العمل العربى الجماعى فى هذا الإطار سيتم ترجمته فى القمة العربية المقبلة فى موريتانيا، التى ستكون القمة الأولى للأمين العام الجديد أحمد أبوالغيط، وهو الدبلوماسى المصرى المخضرم الذى شارك فى عملية السلام كلها إذ كان عضواً فى وفد التفاوض المصرى فى كامب ديفيد وكذلك كان طرفاً مؤثراً فى عملية «مدريد» ومؤتمر «أوسلو»، وكذلك بالترويج للمبادرة العربية من موقعه ممثلاً دائماً لمصر فى الأمم المتحدة قبل أن يصبح وزيراً للخارجية ويشارك فى كل الفعاليات المتعلقة بالملف سواء الرباعية الدولية أو عملية «أنابوليس».. هذا الدبلوماسى المخضرم قادر على ضبط العمل العربى الجماعى فى هذا الملف وإعادة دور الجامعة العربية. ومن المؤكد أن الجهاز الدبلوماسى المصرى بقيادة الوزير سامح شكرى سيترجم «إعلان أسيوط» لمشروع قرار يصدر عن القمة العربية المقبلة التى قد تعيد طرح المبادرة العربية للسلام مرة أخرى.

قد تسبق القمة العربية اجتماعات رفيعة المستوى، سيكون للأردن دور مؤثر فيها، وسيكون للمملكة العربية السعودية دعم واضح فيها.

ستشهد مصر اجتماعات دولية مرموقة تعيدها مرة أخرى إلى مكانها بصفتها العاصمة الدبلوماسية للشرق الأوسط، وبالتزامن مع ذلك ستعاود مصر جهدها فى رأب الصدع بين حركتى فتح وحماس أو ما يسمى «حوار الفصائل الفلسطينية».

 

7

تبعات إعلان أسيوط على تركيا وإيران

تقول حقائق التاريخ والاستراتيجية إن العلاقة بين الدور الإقليمى المصرى وكل من الدور التركى والدور الإيرانى تتسم بالعكسية.. بمعنى أنه إذا تمددت مصر إقليمياً تنكمش هذه الأدوار، والعكس صحيح أيضاً يعانى الدور المصرى الإقليمى إذا ما تمددت تركيا وإيران.

وسواء طهران أو أنقرة كانت القضية الفلسطينية بالنسبة لهم وما زالت ورقة جيدة للعب على مشاعر الشعوب العربية والإسلامية.. ضجيج بلا طحين.. ولعبت تركيا وإيران أدواراً مشبوهة أسهمت فى تكسير ثوابت هذه القضية وتحويلها إلى قضية معبر وصرف النظر عن أنها قضية احتلال بل سعوا إلى تصوير مصر كأنها هى دولة الاحتلال وهى التى عليها أن تلتزم بأهلنا فى غزة.

الآن وبعد «إعلان أسيوط» ستتم محاصرة هذه الأدوار الإقليمية وسط ترحيب عربى طبيعى ومنطقى لأن العالم العربى وتحديداً أهلنا فى منطقة الخليج العربى يدركون جيداً خطورة التمدد الإيرانى والتركى فى المنطقة.

 


مواضيع متعلقة