مسقط رأس «صلاح الدين» و«صدام»: راهن عليها الدواعش وانهزموا فى شهر

كتب: أحمد العميد

مسقط رأس «صلاح الدين» و«صدام»: راهن عليها الدواعش وانهزموا فى شهر

مسقط رأس «صلاح الدين» و«صدام»: راهن عليها الدواعش وانهزموا فى شهر

من بغداد عليك أن تقطع 180 كيلومتراً إلى الشمال، حتى تصل إلى مدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين، هذه المدينة التاريخية التى خرج منها من أثّر فى تاريخ المنطقة العربية بل والعالم أيضاً، بدءاً من صلاح الدين الأيوبى، وحتى صدام حسين، الرئيس الأسبق للعراق.

{long_qoute_1}

 

شهدت هذه البقعة من الأرض أهم أحداث التاريخ المعاصر للعراق، وفيها وقعت أشهر المجازر، وهى مجزرة «سبايكر» التى راح ضحيتها المئات، ووقعت تحت سيطرة تنظيم «داعش»، وجرت فيها معارك ضارية من أجل تحريرها على يد الجيش العراقى وبمساندة قوات مكافحة الإرهاب وفرق من «الحشد الشعبى».

كنا بحاجة إلى التجول فى المدينة التى انتصرت فيها القوات العراقية والتى كنا نظن أن المعارك تسببت فى هدم الكثير من مبانيها وحولتها إلى مدينة أشباح.. رافقنى فى الرحلة «حيدر المياحى»، أحد المسئولين عن حماية منطقة القصور الرئاسية بالمدينة، حيث ركبنا سيارته وتجولنا داخل المدينة التى يقطنها غالبية من الطائفة السنية، وعلى عكس ما شاهدناه فى بقية المدن التى جرت فيها المعارك، لا تزال المدينة تحتفظ ببناياتها سليمة غير مهدمة، ولم يبق من آثار «داعش» سوى اللافتات والصور التى كانت تشوه وجوه أشخاص أو حيوانات بالطلاء الأسود، وفق منهج الدواعش فى تحريم رسم أو تصوير الكائنات الحية، حتى لافتات الدعاية والإعلان والرسومات لم تسلم من أيديهم التى باغتتها منذ اليوم الأول لدخولهم المدينة بالطلاء الأسود لإخفاء ملامحها.

تبدو تكريت وكأنها أكثر أماناً من العاصمة بغداد، فلا توجد الكثافة الأمنية التى تبعث داخلك الشعور بالقلق والترقب لأى حادث أو هجوم محتمل، كما هو الحال فى العاصمة، وشوارعها تبدو نظيفة، وكامل إشارات المرور تعمل، بل حتى المتنزهات والحدائق والمقاهى تعمل بصورة طبيعية، بعد أن انتهت محنة المدينة بخروج قوات «داعش» منها، وعودة مئات وآلاف الأسر المهجّرة إليها بعد انتهاء المعركة بانتصار القوات العراقية.

وفقاً للإحصاءات التى أبلغنى بها «حيدر» فإن المدينة بها 20 ألف منزل لم يتضرر منها خلال معارك التحرير سوى 300 فقط، وهى بذلك تُعد من المدن الأكثر احتفاظاً بمبانيها خلال عمليات التحرير، مشيراً إلى أن عمليات تحرير المدن الأخرى التى تشارك فيها قوات التحالف تقوم بضرب وقصف شوارع بكاملها فقط لعلمهم بوجود قناص يطلق النيران على القوات منها، معلقاً: «إنهم يحرقون غابة ليصطادوا ثعلباً». {left_qoute_1}

وأضاف «المياحى» الذى شارك فى عمليات تحرير المدينة كمصور حربى: قوات من مكافحة الإرهاب والحشد الشعبى كانت تتكفل بالقضاء على القناصين ومواجهة الدواعش فى حرب الشوارع، وهو ما كانت تعجز عنه قوات الجيش التى لم تتعرف على هذه الأساليب غير النظامية، وهو ما كان فى صالح البنية التحتية للمدينة، حيث لا تزال كما هى دون أى تدمير، وإذا كان الدواعش قد قاموا بتفخيخها لأجل تدميرها وإلحاق خسائر فى الأرواح لحظة دخولها أو تفقدها، فإن خبراء المفرقعات كانوا يقومون بدورهم اللازم فى تطهير كل المناطق التى انسحب منها الدواعش، موضحاً أنه تم الإعلان من جانب القوات عن دخول المدينة حتى يعطوا فرصة للأهالى للمغادرة إن كان بإمكانهم ذلك.

على بعد متر فقط من رصيف شارع الـ40، أحد أكبر شوارع المدينة، يجلس «صفاء نور»، 26 عاماً، «آمر مقهى»، سنى الطائفة، مع صديقيه من المنطقة، يتبادل هو وصديقه الجالس أمامه على خشبة «الطاولة» الزهر، وهو الأمر الذى كان يستحيل القيام به وقت أن كان الدواعش يسيطرون على هذه المدينة.

اقتربنا منه لمعرفة ما كان يجرى خلال حكم داعش لمدينته فبادرنا بالقول: «ما كنا نقدر نلعب طاولة أو أى شىء، وكنا نخاف، السجاير فُجر وحرام، وكل شىء ممنوع، شون تبيعلهم؟ والمرة لازم تلبس خمار والصور حرام، وهم مو بشر أصلاً والإسلام برىء منهم، ومن أفعالهم، يرفعون رايات لا إله إلا الله وهم ما يعملون بيها»، مشيراً إلى أنه يشعر الآن بالراحة بعد خروجهم من المدينة ودخول القوات العراقية والشرطة والحشد، وأنه خرج لاستقبال كل الفرق العسكرية المختلفة التى شاركت فى تحرير المدينة من شرطة وجيش وحشد ومكافحة إرهاب.

وبسؤاله عن الكيفية التى تعاملت بها القوات العراقية وألوية الحشد مع الأهالى، تابع: «طبعاً أرحب بالجيش والحشد وهم إخوتنا، وما فرق بينا وبينهم أصلاً، وبعدين إخوتنا فى الجيش ومكافحة الإرهاب والحشد، ولولاهم ما كانت الحياة عادت إلى المدينة ولا عاد الأهالى المهجرين»، لافتاً إلى أنه خرج من المدينة بعد سيطرة داعش عليها لعدم شعوره بالأمان على نفسه على الرغم من إنه سنى الطائفة، لأن الدواعش كانوا يضيقون الخناق ويطلقون كلمة «مرتد» على أى شخص يخرج عن طوعهم أو لا ينفذ أوامرهم، موضحاً أنه رأى دواعش أجانب من سوريا ولبنان ودول أجنبية أخرى، وأن التضييقات التى فرضوها على الجميع دفعته للخروج من المدينة قبل شهر من اندلاع الحرب التى انتهت بطرد «داعش».

داخل محل أفران وحلويات «صلاح الدين» بذات الشارع، يجلس أحمد، صاحب المحل، فى العقد الثالث من عمره، يتابع عن كثب النشاط المحموم لعماله فى تحضير الحلوى وبيعها للزبائن، تحدّث إلينا قائلاً: «المنطقة آمنة، ما كنا نظن إنها تكون بهذا الأمان، عادت المدينة إلينا وعاد إليها أهلها، والفضل لله ثم للقوات التى شاركت فى تحرير المدينة، وكلهم إخوتنا يقاتلون فى كل المحافظات، يبارك الله فيهم ويحميهم»، مشيراً إلى أنه قضى يوماً واحداً فى المدينة بعد دخول داعش ثم خرج منها بعد أن قتلوا خاله لكونه شرطياً، بعد أن وصفوه بالمرتد.

يصر أحمد على تعريف نفسه بأنه عراقى وليس سنياً أو شيعياً، لأن التعريف باسم الطائفة لا داعى له، وذكرها كثيراً يوحى بوجود فرق، مؤكداً أن القتال والمعاملة بين السنة والشيعة واحدة، وأن تكريت ذات الأغلبية السنية تعيش فى أمان، مطالباً بالخروج إلى الشارع والسير فيه وزيارة الأسواق. وبينما كان يتحدث «أحمد» كانت توجد خلفه قائمة بالتواريخ المطبوع عليها اسم المحل الخاصة به، كتب عليها شعار: «عاش العراق وعاشت القوات الأمنية والحشد الشعبى الأبطال.. صلاح الدين» ابتهاجاً بالوضع الأمنى داخل المدينة وتعبيراً عن فرحته لتحرير المدينة على أيدى القوات العراقية.

خرجنا من المحل بعد أن قدم لنا واجب الضيافة، طبقاً من الحلوى، واستأنفنا السير فى الشارع المحموم بالنشاط اليومى لأبنائه، حتى اقتربناً من إحدى المدارس الابتدائية، لنفاجأ بالطلاء الأسود على رأس رسومات الأطفال على أسوار المدرسة، حتى حمامات السلام تم تشويه رأسها بالطلاء الأسود. توقفت السيارة ونزلنا منها حتى وصلنا إلى سور المدرسة، لنلتقى هناك بصالح يحيى ياسين الجبورى، مدرس لغة عربية، فى العقد السادس من عمره، أحد سكان مدينة تكريت، ويقطن فى منطقة الزهور، الذى أكد على أن الوضع داخل المدينة هادئ بلا أى شعور بالقلق أو حتى الخوف من الخروج ليلاً، قائلاً: «أنا أتنقل داخل الأسواق أتسوق وأتبضع، وهى مزدحمة، ولا يوجد أى قلق».

ويتابع «الجبورى»: «نحن نسمع عن ناس تقول تكريت سنّة وشيعة، والقتل والجيش وداعش والحشد، ماكو شىء من هذا، أنا سنّى ومتزوج شيعية وفى الحشد سنة من الجبورية وبه شيعة ما كو فرق، وكل اللى يُذاع ماكو حقيقى»، مشيراً إلى أنه من «الشرقاط» التابعة لمحافظة صلاح الدين، ولكنه يقيم داخل تكريت لشعوره بالأمان فيها، ومعه أسرته التى يبلغ عددها 20 شخصاً؛ هو وزوجته وأبناؤه وأزواج أبنائه وأحفاده.

أما واعد محمود، أحد المواطنين بتكريت، فلم يكتف فقط بوصف الحالة التى أصبحت عليها المدينة بعد تحريرها، بل أصر على رواية ما فعله به الدواعش وقت دخولهم المدينة على الرغم من أنه كان من نفس الطائفة السنية التى قال التنظيم إنه يدافع عنها، قائلاً: «هذا الدار طبوا عليه وشدوا علينا حبال، وضربونى بوكسات وطرحونى، وكان منهم ناصر الأمونة، مشهور بأنه كان مشترك فى مذبحة سبايكر»، مشيراً إلى أنه تم نقله هو وابن أخيه إلى موقع آخر بعد تكميمه ووضع أشرطة سوداء على عينيه مع مجموعة من العسكريين والشرطيين السنّة، وأن التهمة التى وُجّهت إليهم جميعاً هى أنهم مرتدون وتم اصطحابه معهم بسبب شقيقه الشرطى. يحكى محمود أنه ظل محبوساً داخل منزل 5 أيام، وكان وقتها يسمع صوت قصف طيران، وفى اليوم الخامس قفز من نافذة المنزل بعد ملاحظته اختفاء الدواعش، مشيراً إلى أنه ارتدى زى النساء هو وابن أخيه وكانا فى منطقة علم ولكنه هرب إلى سليمانية والتقى ببقية أسرته هناك حتى خروج داعش من تكريت ليعود ويعمل «كاسب» (أعمال حرة)، منتقداً ما يثار عن الوضع فى تكريت أو فى باقى العراق من أن الحرب بين سنّة وشيعة وأن الحشد شيعى ويقتل السنّة، قائلاً: «ما أنا سنّى ومرتى من الجنوب شيعية، والحشد نفسه فيه سنّة وشيعة، وهم دخلوا مع الجيش وقتلوا الدواعش لتحرير تكريت وأعادوا عوائلها».

داخل حديقة تكريت تتجمع الأسرة برفقة أطفالها وسط أجواء من الفرح والبهجة التى تعم المكان المشجّر والمطُعم بألعاب للأطفال، بلاستيكية كبيرة ذات ألوان زاهية.. يحمل سعد محمود الطربولى طفلته الصغيرة على ساعده الأيسر أما نجله الصغير فيتعلق على يده اليمنى المصابة بطلق نارى من إرهابيى داعش حينما كانت مجرد خلايا نائمة، قبل اجتياح الموصل بـ4 شهور، حيث أصيب فى 17 فبراير 2014 خلال مطاردته واشتباكه مع العناصر الإرهابية، وهو ما اضطره إلى ملازمة البيت وعدم الخروج منه طوال فترة بقاء «داعش» فى تكريت لكونه شرطياً، ما يعنى أن التنظيم يعتبره مرتداً.

يقول «الطربولى»: «لا تقدر تطلع من البيت لأنك مرتد، حتى لو أنت سنى ورفضت أمرهم فأنت مرتد، والعراق مختلط سنّى على شيعى على مسيحى على كردى وإيزيدى، هى دولة مختلطة»، مشيراً إلى أنه تمكّن من الخروج من المدينة خلال فترة حكم التنظيم لها ثم عاد إليها بعد دخول الحشد الشعبى وطردهم من المدينة، مشيداً بدور الشرطة فى تأمين المدينة وبث الأمن والطمأنينة فى نفوس كل سكانها».

وتقول آمنة أحمد، سيدة فى العقد الخامس من عمرها، إنها من أهل السنّة وتركت المدينة وقت دخول داعش، حيث غادرت مع أسرتها بالسيارات ليلاً وذهبت إلى بغداد ثم إلى سليمانية، مؤكدة أنها لم تكن لتعود إلى تكريت إطلاقاً لولا قدوم القوات وتطهير المدينة من داعش، قائلة: «الله يرحم والديهم ما شفنا شىء مو زين، بارك الله فيهم رجّعونا والحمد لله».

 


مواضيع متعلقة