الشيخ الغنوشى والرقص مع الذئاب

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

المؤتمر العام لإخوان تونس «حركة النهضة»، قرر «الفصل بين الدعوة والسياسة».. وتحويلها لحزب سياسى، ينطلق من الدولة، ويسعى لحكمها، وترك الأنشطة الدعوية للجمعيات ومنظمات المجتمع المدنى.. التسويق السياسى والإعلامى للمؤتمر وقراراته اتخذ أبعاداً محلية وإقليمية ودولية واسعة، تتجاوز أهميته.. القرارات مجرد محاولة من «الغنوشى» للتعلق بقارب «الوطنية التونسية»، والنجاة بجماعته من سفينة «الدعوة الأممية» المشرفة على الغرق، عبر عنها تفصيلاً فى رسالته لمؤتمر التنظيم الدولى للإخوان بإسطنبول أبريل الماضى، التى اختتمها «لحظة الفراق بيننا وبين التنظيم قد اقتربت»، لكنها تُقَدم باعتبارها بعثاً جديداً للإخوان، يقوم على وطنية الجماعة، يعطى أولوية لخصوصية المجتمع، يعالج سلبيات الماضى.. طرح مخادِع، ينبغى كشف حقيقته.

خطورة «النهضة» تكمن فى قدرة قياداتها من الحمائم «الغنوشى، مورو..». على القراءة الصحيحة للمشهد، ومواجهته بمرونة وبراجماتية، ما جنبهم الوقوع فى أخطاء إخوان مصر.. اعتبروا الثورة وسيلة للتحرر من السجون، وممارسة لعمل سياسى كان محظوراً، فلم يقعوا فى فخ «التمكين» أو احتكار السلطات، تحالفوا مع القوى العلمانية، ورفضوا التحالف مع السلفيين، ليدفعوا عن أنفسهم فكرة التشدد، ويتجنبوا سلبيات لإثارة القضايا المستفزة كزواج الأطفال والمرأة والختان وولاية الذميين.. إلخ، تجنبوا خوض السباق الرئاسى، لإعفاء أنفسهم من تبعات التصيد لإدارة دولة متعثرة، تمسكوا بمدنية الدولة، وأعطوا أولوية للوطنية التونسية على الارتباط بالتنظيم الدولى وفكرة الأممية، رغم ذلك يمثل جناح الصقور الشريحة الأوسع بالجبهة.. يستنكر الفصل بين الدين والسياسة، يرفض تحولها لحزب، يستهدف دولة الخلافة، ينتقد براجماتية القيادة، حتى إنه رفض الاستجابة لدعوة التصويت للمرزوقى فى انتخابات 2014.. الحمائم يؤكدون أهمية الفصل فى استقطاب القواعد الجماهيرية، بينما يحذر الصقور من أنه سيفقدها الكثير من قواعدها السياسية، ويراهنون على رحيل قادة الحمائم المتجاوزين للسبعينات.

فضيحة «أوراق بنما» كشفت تورط قيادات «النهضة» فى إنشاء شركات «إنتاج إعلامى، ومراكز أبحاث ودراسات» لإدارة أنشطة «الغنوشى» فترة لجوئه لبريطانيا، وتهربهم ضريبياً من خلال ملاجئ غير قانونية، بالتعاون مع يوسف ندا، الفضيحة شملت لطفى الزيتون مدير مكتب الغنوشى ومستشاره، رفيق عبدالسلام وزير خارجية حكومة النهضة، راشد الغنوشى وابنته، جمال الدلالى مؤسس قناة «تى إن إن»، محسن مرزوق مؤسس حزب مشروع تونس، وسمير العبدلى المرشح للرئاسة الماضية.. القضية فجرت ملف الفساد تحت حكم «النهضة»، تونس تراجعت فى مؤشر الشفافية الدولية 58/2010، 73/2011، 75/2012، 77/2013، 79/2014، 76/2015، وخسائرها السنوية جراء التهرب الضريبى قرابة 2.5 مليار يورو، المالية فتحت التحقيق، بالتنسيق مع الجمارك والضرائب والمركزى والعدل والنيابة، والبرلمان شكل لجنة خاصة، موقع «ويكيليكس» اتهم المخابرات الأمريكية بتسريب الوثائق، خاصة أنها خلت من المسئولين الأمريكيين، والصندوق الأمريكى لدعم الديمقراطية، كشف أن جمعيات تابعة للإخوان «تونسيات، مرصد المواطن للإعلام، الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، منتدى الجاحظ» تتلقى تمويله السنوى، ما يؤكد استهداف المخابرات الأمريكية لـ«النهضة»، حتى لا تتمادى فى إجراءاتها لحد إلحاق الضرر بالتنظيم الدولى.

تحولات «النهضة» جاءت لمواجهة الظروف السياسية؛ فازت بالانتخابات التشريعية نوفمبر 2011 قادت البلاد بحكومة الترويكا «النهضة، التكتل، المؤتمر من أجل الجمهورية» حتى 2014، بعد اغتيال شكرى بلعيد فبراير 2013، وافقت على إقالة حكومة حمادى الجبالى، بعد اغتيال محمد البراهمى يوليو 2013، وافقت على إقالة حكومة على العريض، واضطرت لترك السلطة لحكومة تكنوقراطية، بعد تنامى الإرهاب، وتعدد الأنشطة الجهادية ضد الأمن والجيش، فى ظل الحكومات التى قادتها.. فى الانتخابات التشريعية 2014 خسرت النهضة لصالح «نداء تونس» بقيادة السبسى، وتراجعت شعبيتها نتيجة ضمور الثقة فى الإسلام السياسى، وسخط قواعدها بعد تبنيها للدستور المدنى.. حكومة الصيد تحاول تحرير المساجد من المتشددين؛ أغلقت 187 مسجداً عشوائياً بنيت دون تصريح، استرجعت 149 تابعاً للتكفيريين، وعزلت أئمة الجهاد، ومعظمهم تابع لـ«النهضة»، التى ما زالت تتمسك بالائتلاف الحاكم بقيادة «نداء تونس»، رغم أنها أصبحت القوة الأولى فى البرلمان بـ69 نائباً، بعد تراجع مقاعد الأولى لـ59؛ إثر انشقاق عدد من النواب.

«الغنوشى» يُرجع أزمة التنظيم للجمع بين العمل الدعوى والسياسى، متناسياً أن إخوان مصر أسسوا حزب «الحرية والعدالة»، لمعالجة ذلك، ولكن طبيعة البناء التنظيمى العقائدى التربوى للجماعة يمنع الفصل، ويبقى العلاقة هلامية بين مؤسسات الجماعة والدولة والتنظيم الدولى، مما أسقط حكم الإخوان، وكاد أن يؤدى لانهيار الدولة.. الهاجس الرئيسى المُحرك للغنوشى هو الحفاظ على الإخوان، بعد أن أصبحت مقراتهم تُستهدف بالحرق، آخرها بالزعفرانة فى الجنوب.. اعتاد التلون، لكن تقدم السن يُفقده التوازن، إلى حد تبرير رفضه تجريم المثلية الجنسية، بأن القانون لا يتتبع الحياة الخاصة للأفراد!!، وعد بتجديد دماء التنظيم، وإعادة هيكلته، لكنه تمسك برئاسته، وسعى لمجرد توفيق أوضاعه مع دستور 2014 الذى يحظر الجمع بين العمل الحزبى وأنشطة الجمعيات، فأعاد توزيع الأدوار داخل «الجبهة»؛ القيادات والجناح السياسى يتفرغ لتشكيل حزب وطنى، مهمته إعادة تمركز «الجبهة» فى النظام السياسى بصورة أكثر رسوخاً، والقيادات العقائدية تتولى النشاط الدعوى من خلال تكوين جمعيات أهلية ومنظمات مجتمع مدنى، تتمسك بالرسالة الأممية، وفكرة الخلافة، لتضمن تأييد القواعد السلفية، ومهمتها تفريخ المؤيدين، وتوفير الإسناد العقائدى للحزب.. هذا الفصل لن يجرد «النهضة» من هويتها، بل سيفرز واجهة سياسية حزبية بخلفية عقائدية، مما يفسر استنكار الغنوشى «إصرار البعض على إقصاء الدين من الحياة الوطنية»، وتأكيده على «مشاركة الحركة مع التيارات الإسلامية الوسطية» التى يقصد بها الإخوان بالطبع!!.

انفصال «النهضة» عن التنظيم الدولى، يمثل إحدى المحطات الرئيسية على طريق انهياره، بعد سقوط وانشقاق إخوان مصر، وانفصال إخوان الكويت والإمارات والمغرب والأردن، وإعلانهم تنظيمات إرهابية بالسعودية وبعض دول الخليج، والمراجعات السياسية لحماس.. إعلان الفصل بين السياسى والدعوى، محاولة للحفاظ على الجماعة، حتى ولو فى إطار تنظيم حزبى وطنى.. تحمُس إخوان مصر لفكرة الفصل، رغم أنهم أول من ابتكروها، وفشلوا فى تطبيقها، يؤكد أن الغنوشى ألقى بطوق نجاة للإخوان، فى محاولة لوقف انهيارهم السريع، ما يعنى إطالة مرحلة السقوط، واتساع الخسائر، وتضاعف الضحايا.. الأوضاع الأمنية فى تونس هشة، لا تحتمل المخاطرة، خاصة فى ظل أوضاع ليبية معرضة للانفجار، واحتمال لجوء المزيد من الإرهابيين واللاجئين إليها.. مشاركة «الجبهة» فى الحكم شرط لاستمرار الدعم القطرى، فمتى تنتاب الشيخ ساعة هداية؟، وتتغلب حكمة الزمان، وزهد الشيخوخة؟.. فيتخلى عن المكر السيئ، ويوقف رقصة الذئاب على جثة الوطن؟!