«بطيخ يكسر بعضه»

لا يبدو أن الأداء الإعلامى المصرى يريد أن يستقر عند مستوياته المتدنية الراهنة؛ إذ يجتهد يوماً بعد يوم لكى يصل إلى المستوى الأدنى.

فى رحلة التردى تلك، ترتكب معظم وسائل الإعلام المصرية جميع الأخطاء المهنية التى شخصتها الأكاديميات، وتنتهك كل معنى ومعيار، ولا تخضع لأى نوع من المساءلة المهنية الجادة، كما يتورط زملاء إعلاميون فى جرائم كارثية، عبر شاشاتهم وميكروفوناتهم، دون أن ترف أجفانهم، أو تُؤرق ضمائرهم.

تلك مقدمة لا بد منها قبل أن نشرع فى مقاربة أداء وسائل الإعلام المناهضة للدولة المصرية، التى تعمل تحديداً من تركيا وقطر، أو تنطلق من عواصم أخرى، على استحياء، مثل لندن.

سيحلو للبعض تسمية تلك الوسائل بـ«الإخوانية»، والواقع أنها ليست كلها كذلك؛ إذ هى خليط من الارتكاز «الإخوانى الانتهازى»، و«السلفى الجهادى»، و«السياسى القطرى»، و«التركى العبثى»، مع بعض أصحاب الطموحات السياسية، الذين وجدوا دعماً أو تمويلاً، يهدف إلى الكيد لمصر، وتقويض مسار «30 يونيو».

إن تلك الوسائل من الاتساع والتعدد بحيث يصعب جداً تقييم أدائها على نحو دقيق من دون دراسة علمية يقوم عليها فريق متكامل، لكن رحلة عمل طويلة قادتنى إلى أكثر من دولة، على مدى الشهر الماضى، وفرت لى وقتاً مناسباً، لكى أدقق فى أداء تلك الوسائل، وأن أحلل المحتوى الذى تقدمه.

يشمل هذا التحليل أسماء مؤسسات إعلامية كبيرة، تقف وراءها موارد هائلة، كما يتضمن تلك القنوات الصغيرة البائسة التى ظهرت غداة فض تجمع «رابعة».

ويمكن تلخيص العوار المهنى لتلك المنظومة الإعلامية المعارضة فى السمات الخمس التالية:

أولاً: معظم البرامج التى تتناول مصر ليست سوى «مكلمات»؛ أى مذيع يتحدث إلى الجمهور مباشرة، بوصفه «شيخ دين»، أو «فيلسوفاً»، أو «قائداً مُلهماً»، أو «ضابط استخبارات يعرف أسرار الكون كلها». وعندما يفرغ هذا المذيع من «هذيانه»، فإنه يستضيف ضيفاً من المتوافرين فى البلد الذى تنطلق منه المحطة، ليتبادل معه دور «الفيلسوف والقائد وضابط الاستخبارات العالم ببواطن الأمور».

ثانياً: نسبة كبيرة مما يتم تقديمه عبر الحوارات التى تنقلها تلك القنوات ليس سوى سب وقذف وإشاعة للكراهية وتحريض على العنف وتشويه حقائق واختلاق وقائع، وكلها ممارسات تعاقب عليها القوانين النافذة فى أى دولة محترمة.

ثالثاً: يتمترس معظم العاملين فى تلك القنوات خلف قناعات فكرية وأيديولوجية وسياسية محددة، ويستخدمون سياسة منهجية لإقصاء كل من لا يتفق معهم، ويعزز أفكارهم، ويوافقهم على توجهاتهم.

رابعاً: لا توجد معالجات مهنية متكاملة للقضايا المطروحة، عبر توظيف آليات التقصى والتدقيق، أو إيراد آراء الأطراف المنخرطة فى التعليق على القصص والأحداث، أو توفير الخلفيات والسياقات اللازمة لفهم الوقائع، والاقتصار بدلاً من ذلك على المقاربة الشخصية التافهة والمباشرة، واختزال كل القضايا مهما تنوعت، ومهما تفاوتت درجة أهميتها، فى موضوعات محددة؛ مثل: «الانقلاب»، و«رابعة»، و«مرسى»، و«الإخوان»، و«السيسى»، و«مصر رايحة فى داهية».

خامساً: جزء كبير من ممارسات تلك القنوات (يزيد على 30% من إجمالى المحتوى الذى تقدمه) قائم على انتقاء تغطيات معينة من الإعلام المصرى، وتقديمها بوصفها عنواناً لـ«التردى»، والتهكم عليها، والنيل منها، وسب المشاركين فيها، واتهامهم بـ«الفشل»، و«التطبيل»، واتهامات أخرى كثيرة مبتذلة ومسفة.

وأخيراً، وبعد أسابيع من التعرض لتلك المنظومة المتهافتة، فى ضوء ما نعانيه من أداء إعلامى متردٍ فى واقعنا المحلى، لم أجد خيراً من المثل الشامى الذى يقول «بطيخ يكسر بعضه»، للتعبير عن واقع مريض لإعلامَين، يخاطب كل منهما الآخر، قائلاً: «لا تعايرنى ولا أعايرك.. العته طايلنى وطايلك».