شيء من تاريخ اللغة / اللغات العربية..

أشرف فوزي

أشرف فوزي

كاتب صحفي

اللغة (أو اللغات) العربية لها عدة مستويات تاريخية، فثمة تفرقة بين ما يعرف بـ"العربية البائدة" أو "عربية النقوش" من ناحية و"العربية الباقية" من ناحية أخرى.

حفظ التاريخ لنا نقوشا كُتبت بلهجات عربية قديمة ومندثرة تتشابه بشكل أو بآخر في كل الخصائص اللغوية التي تميز اللهجات العربية الباقية عن غيرها من اللغات السامية. وهذه النقوش عُثر عليها في مساحة جغرافية شاسعة تمتد من شمال الحجاز وصولا إلى سوريا، لتتماس مع المنطقة التي كانت تتكلم لهجات آرامية عدة، وهذا ترك تأثيرا واضحا على تلك اللهجات العربية البائدة.

و"عربية النقوش" تلك كانت تتمايز - في الوقت نفسه - عن اللهجات العربية القديمة في نجد والحجاز؛ فـ"العربية الثمودية البائدة" مثلا كان تستخدم "الهاء" أداة للتعريف وليس "ال" التي نعرفها في أغلب اللهجات/ اللغات العربية الباقية، وهي في ذلك تشترك مع عدد من اللغات السامية الشمالية كالعبرية مثلا.

أما "العربية الباقية" فكانت تتمايز فيما بينها سواء على المستوى الجغرافي، كذلك التمايز بين لهجات نجد والحجاز ولهجات شمال اليمن على سبيل المثال، وكذا على المستوى التاريخي: فلدينا "اللغة العربية التراثية / الكلاسيكية Classical Arabic" أو "عربية القرآن" التي بدأت تتشكل عشية ظهور الإسلام، والتي ستُدعى - فيما بعد - "اللغة العربية الفصحى Standard Arabic"، و"اللغة العربية الوسيطة Middle Arabic" وهي مجموعة من اللهجات العربية الهجينة التي نتجت عن اختلاط اللغة العربية الكلاسيكية مع لغات شعوب المناطق التي دخلها الإسلام حاملا معه اللغة العربية لغة كتابه الأقدس.. القرآن.

هذه "العربية الوسيطة" كان اللغويون العرب وفقهاء اللغة العربية ينظرون إليها دوما على أنها "انحطاط" أو "تدهور" في مستوى "اللغة العربية الفصحى" أو ما كانوا يدعونه "لحن العامة"، أي "انحراف" لغة عوام الناس عن لغة القرآن. أما نحن فننظر إليها اليوم على أنها مرحلة من مراحل التطور التي مرّت بها اللغة العربية على مدار تاريخها الممتد، شأنها في ذلك شأن جميع اللغات "الحية"؛ إذ إن اللغات الوحيدة التي لا تتطور هي "اللغات الميّتة".

وعن هذه "العربية الوسيطة" التي امتدت من حدود القرن الثامن الميلادي إلى أوائل العصر الحديث ستتفرع - بشكل أو بآخر - اللهجات/ اللغات العربية التي نتكلمها في زمننا هذا (وسيأتي تفصيل ذلك فيما هو آت من مقالات).

وسننتظر قرونا طوالا من الركود في العالم العربي/ الإسلامي إلى أن يبدأ "عصر النهضة" أو "عصر الإحياء والبعث" في تلك البقعة من العالم، ومعه ستظهر الدعوة لـ "العودة إلى الأصول" ومن ثم "إحياء اللغة العربية" وإنشاء "مجامع لغوية" تقوم بتلك المهمة: "المجمع العلمي العربي" (مجمع اللغة العربية - لاحقا) بدمشق عام 1919، "المجمع العلمي" ببيروت عام 1920، "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة عام 1932، "المجمع العلمي العراقي" ببغداد عام 1947... وغيرها. وصاحب ذلك أيضا ظهور فكرة "الجامعة الإسلامية" و"الجامعة العربية".

كل ذلك أدى إلى ظهور ما يعرف بـ "اللغة العربية الفصحى/ المعيارية المعاصرة Modern Standard Arabic" التي حاولت استعادة "لغة القرآن" لكنها لم تفلح تماما - وهذه سنة الحياة والتاريخ.

كل هذا سيكون له أثر بالغ في النظرة إلى "اللهجات" العربية المعاصرة، وفي زيادة اشتباك العلاقة بينها وبين "اللغة العربية الفصحى/ المعيارية".

وللحديث بقية.. إن كان في العمر بقية.