خارج السيطرة.. من «توازُن الدم» إلى «تمدُّد الدم»

تشرفتُ برئاسة «الندوة العلمية الدولية.. مبادرات وتجارب عالمية فى مواجهة الإرهاب»، التى انعقدت فى باريس.

تلقيتُ الدعوة من معهد ابن سينا والفيدرالية العامة لمسلمى فرنسا.. برئاسة الدكتور محمد البشارى.. وسعدتُ بلقاءِ قاماتٍ بارزةٍ من عواصمَ عديدةٍ فى العالم الإسلامى.. واستمعتُ إلى آراءِ عدد كبير من الحضور الذين تفضلّوا بالنقاش والحوار.

(2)

كان من بين ما تحدثتُ فى كلمتى.. ضرورة وقف معادلة تدمير العالم الإسلامى بجناحيْها: «الإسلام ضدّ الإسلام» و«الإسلام ضدّ العالم».. وتأسيس معادلة جديدة.. «الإسلام والسَّلام».. معاً.

ولقد سمعتُ جانباً من التأسيس النظرى الرصين لمعادلة «الإسلام والسلام» فى محاضرة الإمام الأكبر شيخ الأزهر فى جاكارتا.. حين زرتُ إندونيسيا مع فضيلته قبل شهور.. وحين تشرفتُ بلقاء فضيلتِه مرة أخرى فى باريس.

(3)

إن بعضَ الغربِ.. ممّن يدعمُ التطرف الدينى الإسلامى.. إنمّا يفعلُ ذلك فى إطار «إهلاك المسلمين بالمسلمين».. وإثارةِ حروبٍ أهليةٍ داخل الإسلام.. تقضى على الدين والدنيا. ويدير الغرب معارك «التدمير الذاتى للإسلام» عبر رؤية مروِّعة عنوانها «توازن الدم».

وتقوم استراتيجية «توازن الدم» على محاولة تحقيق التوازن السياسى والعسكرى بين الجماعات والفرق الإسلامية.. فى بلاد المسلمين.. حتى لا ينتصِر طرفٌ على الجميع.. وإنما لكى.. ينهزم الجميع.. وتتوزَّع «جغرافيا الموت» بينهم.

إن ما لا يُدرِكه الغرب.. أن «توازن الدم» لن يستمر على هذا النحو من الحدود الجغرافية الآمنة.. والبعيدة. بل إن «توازن الدم» سرعان ما سيتحوّل إلى «تمدُّد الدم».. وأن الغرب سيكون جزءاً من عمليات «توسيع الشّر».. وانفلات السلاح.. وشيوع «أيديولوجيا.. الموت للجميع».

(4)

كان من بين ما قلتُه فى باريس -أيضاً- أن المسلمين «أمة فى خطر».. ولكن «الأوروبيين أيضاً فى خطر».. وإذا كان الخطر على المسلمين.. حاضراً وقائماً.. فإن الخطر على الأوروبيين.. واردٌ ومقبلٌ.

وإنّ من المصلحة المشتركة أن يعمل الأوروبيون معنا فى مكافحة الإرهاب من المنبع.. قبل أن يعصِف بهم فى المصبّ.. إن أحداً لا يبدأ تطهير النهر من النهاية.. بل يبدأ.. من البداية.. ثم.. يتواصل مع المسار.

(5)

إن المسلمين -رغم كل ما يجرى- أمةٌ عظيمةٌ.. وإن مستقبل الإسلام -دون شك- مستقبلٌ عظيم. وإذا كانت الصورة الآن.. هى صراعٌ وصدامٌ بين جماعاتٍ وتياراتٍ.. بعضُها لبعضٍ عدوٌّ.. وكلُّ جماعةٍ تلعنُ أختَها.. فإن «بحر الظلمات» لن يبقى طويلاً.. وذات يوم سوف يصيبُه الجفاف.. وذات يومٍ أيضاً.. ستشهد أمتُّنا ما يليق بها.. ثقافةً ورسالةً.. مكانةً وحضارة.

لكن «صناعة الأمل» تحتاج خريطةَ طريقٍ.. ويحتاج المسلمون والعقلاء فى أوروبا أن يعملوا معاً.. على وقْفِ استراتيجية «توازن الدم».. وبدء التعاون من أجل «تجفيف منابع الدم».. قبل أن تقودَ التداعيات -رغم أنفِ الجميع- إلى تمدُّد الدم.

إنَّهُ الطريق الضرورة نحو وقف أيديولوجيا «الإسلام السياسى».. وتأسيس «الإسلام الحضارى».. أو هو الطريق نحو «الإسلام والحداثة» و«الإسلام والسَّلام».

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر