أهالى «التلاتات» فى الدويقة: احكوا للريس عن حالنا

كتب: دارين فرغلى

أهالى «التلاتات» فى الدويقة: احكوا للريس عن حالنا

أهالى «التلاتات» فى الدويقة: احكوا للريس عن حالنا

كان الرجل الخمسينى يستمع إلى أغنية المطربة آمال ماهر «طوبة فوق طوبة نبنى»، ويشاهد الرئيس عبدالفتاح السيسى أثناء افتتاحه المرحلتين الأولى والثانية لمشروع «تحيا مصر» للإسكان الاجتماعى بحى الأسمرات فى المقطم، ينظر بعينين ثاقبتين إلى تلك العمارات الشاهقة والشوارع الفسيحة والمدارس والوحدات الصحية التى تضمّنها المشروع، يزيد انتباهه كلما نقلت كاميرا التليفزيون تفاصيل الوحدات السكنية التى يشملها المشروع، شقة مساحتها 65 متراً، مكونة من غرفتين وصالة وحمام، تمتلئ عينا الرجل بالدموع فرحاً، لكن السعادة أبكت «محمد على قاسم» ليس فقط لكونه مواطناً مصرياً سعيداً بمشروع قومى كبير، لكنه الأمل الذى تجدّد داخل الرجل بأن تنتهى رحلة استغرقت من عمره ما يزيد على ثلاثين عاماً داخل غرفة لا تتعدى مساحتها ثلاثة أمتار، وبجواره غرفة جاره «حسين» وزوجته وأبنائه الستة، متقاسمين دورة المياه فى شقة لا تتعدى مساحتها 40 متراً داخل منطقة التلاتات بالدويقة.

{long_qoute_1}

ينصت «محمد» جيداً إلى كلام أحد المسئولين الذى يؤكد أن المرحلتين الأولى والثانية من مشروع الأسمرات الإسكانى تضمّان نحو 11 ألف وحدة سكنية، سيسكنها سكان مناطق داهمة الخطورة بالدويقة وعزبة خير الله وبطن البقرة وغيرها، وهناك ما يقرُب من 740 أسرة من أهالى الدويقة، تم نقلهم إلى مساكن السادس من أكتوبر بشكل مؤقت، وبعد افتتاح مشروع الأسمرات بكل مراحله سيتم نقلهم مباشرة إلى وحداتهم السكنية داخل أحد المشروعات الثلاثة.

عشرات الأسر تشارك «محمد» الهمّ نفسه فى منطقة «التلاتات»، معظمهم أسر تم نقلها إلى تلك المنطقة بعد أن انهارت منازلهم التى كانوا يسكنونها فى حوادث متفرقة فى الثمانينات، قيل لهم حينها إنها أوضاع مؤقتة حتى يتم نقلهم إلى وحدات سكنية أخرى، وحصلوا على أوراق رسمية من محافظة القاهرة وقتها، كتب عليها «تصريح إشغال مسكن إيواء مؤقت»، لكن «المؤقت الحكومى» أصبح واقعاً مريراً عاشته الأسر متكدّسة داخل غرف مشتركة، لما يزيد على ثلاثين عاماً. {left_qoute_1}

يجلس «محمد» داخل غرفته على أريكة صغيرة وضعها بجانب شباك خشبى صغير يطل على حارة ضيقة ينظر خلالها إلى البيوت المبنية من الطوب حوله والتى تَشَرّخ معظمها، إما لأنها مبنية بشكل عشوائى أو بسبب تشبُّع جدرانها بالمياه، يشير إلى السرير المقابل للشباك، قائلاً: «بانام عليه وباكل عليه علشان مفيش مكان فى الأوضة، ولما باتخنق باطلع أقعد بره فى الشارع أو بافتح الشباك أبص منه يمكن يجيب لى شوية هوا».

يرفع عينيه قليلاً ثم يشير إلى صور الرئيس عبدالفتاح السيسى التى يملأ بها حوائط غرفته الصغيرة: «الراجل الجدع ده بلدياتى من الجمالية، أنا باحبه وبادعى له ربنا يعينه علينا، وبادعى لنفسى ربنا يكرمنى وأخرج من الأوضة دى وأعيش فى شقة زى بقية البنى آدمين قبل ما أموت».

أما جاره الذى يشاركه فى الشقة ودورة المياه فيدعو الله أن يخرجه من تلك الغرفة التى يسكنها مع زوجته وأبنائه فقط من أجل حياة كريمة لأبنائه، يقول «حسين حماد حسين»: «أنا كنت شغال خراط معادن على باب الله لحد ما ضهرى وجعنى وقعدت من الشغل وحتى مش باخد معاش ولا أى حاجة من الدولة، بس كل اللى عاوزه أنهم ينقلونا للشقق الجديدة دى علشان نحس إننا عايشين».

تقاطعه ابنته الصغيرة «حبيبة»: «الشقق اللى هناك شكلها حلو أوى، أنا شفتها فى التليفزيون واسعة وفيها أوضتين بحالهم وسراير كمان، وبابا قال لى ادعى ربنا يكرمنا وينقلونا هناك وانا بادعى كل يوم بالليل قبل ما أنام إنى أصحى ألاقيهم بيخبّطوا علينا ياخدونا الشقة الواسعة الحلوة دى».

أحلام «حبيبة» ذات الأعوام العشرة لا تتوقف عند الانتقال إلى مسكن آدمى تعيش فيه مع أسرتها، لكنها تحلم أن تُكمل تعليمها وأن تصبح طبيبة أسنان، ومن أجل ذلك الحلم أصر والدها رغم ضيق حاله على إلحاقها بالمدرسة والاهتمام بتعليمها، محاولاً أن يعوض عليها تلك الحياة التى تعيشها، ورغبة فى أن يشعر بأنه قدّم لها معروفاً يستطيع إخراجها من تلك العيشة فى يوم من الأيام.

فى بلوك يحمل رقم 23 بالمنطقة نفسها، تسكن ميرفت صابر عبدالوهاب وزوجها وأبناؤهم الأربعة، غرفتها لا تسع إلا سريراً كبيراً تنام عليه هى وابنتاها -بعد زواج الكبرى- وزوجها بينما يفترش الابن الأرض، تضطر الأم إلى أن تضع كل متعلقاتهم داخل الدولاب بجانب الملابس، أما الطعام فيتناولونه أيضاً على ذلك السرير، لضيق مساحة الأرض التى تفصل بينه وبين باب الغرفة.

تقول «ميرفت»: «لا نملك إلا 450 جنيهاً شهرياً قيمة معاش زوجى، فكيف لنا أن نترك الغرفة وننتقل إلى مكان آخر نضطر فيه إلى دفع إيجارات بانتظام، وحتى قبل أن يحصل زوجى على المعاش كان يعمل أرزقياً على باب الله، ولا أذكر يوماً أننا تملكنا مبلغاً نستطيع به حتى أن ننتقل إلى غرفة منفصلة فى المنطقة نفسها».

تشير «ميرفت» إلى باب الغرفة المجاورة لغرفتها، قائلة: «تسكن تلك الغرفة جارتى وابنها، وهو شاب كبير الآن، وبناتى أيضاً إحداهن 18 عاماً والأخرى 20 عاماً»، تقول الأم الخمسينية: «والله باخاف أسيب واحدة من بناتى نايمة وأخرج علشان إحنا مش لوحدنا فى الشقة، ولما واحدة فيهم تدخل الحمام بافضل واقفة لها لحد ما تخلص علشان باخاف عليهم، لكن أعمل إيه مفيش فى إيدى أى حاجة أعملها لهم».

تدارى الأم دمعة فى عينيها وتقول: «ربنا كبير، وأكيد مش هيسيبنا كده، بس أمانة عليكم توصلوا صوتنا للريس وتحكوا له على حالنا، وهو أكيد مش هيرضيه يسيبنا عايشين كده».

لا تتذكّر «زينب عبدالرسول عيسى» عدد سنوات عمرها، لكنها لا تنسى ذلك اليوم الذى مر عليه 30 عاماً، حين تم نقلها هى وبعض الأسر من منطقة الجمالية، بحجة الرغبة فى توسعة الشارع هناك عند شارع بوابة النصر، وجدت نفسها وزوجها حينها متشاركان فى الشقة نفسها مع رجل وزوجته، ظنّوا جميعهم حينها أنه وضع مؤقت، لكنها أنجبت أبناءها الأربعة، وكبروا وتزوجوا، وتوفى زوجها وهى ما زالت تسكن الغرفة ذاتها.

تقول «زينب»: «اضطررت مؤخراً إنى أبنى حمام ليا لوحدى بره الشقة وعملنا حيطة بينى وبين جارى، بس لسه مشتركين فى المطبخ، وكل ده علشان نحس بشوية خصوصية، ومروا علينا قبل كده 1000 مرة، وأخدوا أسماءنا، وقالوا هينقلونا، ومفيش فايدة».

حياة صعبة عاشتها أسر كاملة داخل غرف ضيقة، لم يهنأوا يوماً بأى قدر من الخصوصية، تزاحموا أمام دورات المياه مع أسر أخرى تسكن معهم الوحدة السكنية نفسها، اشتركوا فى إعداد الطعام على بوتاجاز واحد لعدم وجود فسحة أخرى فى الشقة لآخر، لم يهنأوا يوماً بـ«صالة»، حتى إن كانت صغيرة، يجلسون فيها يتناولون طعامهم أو يشاهدون مسلسلاً تليفزيونياً أو حتى يستمعون إلى المذياع، لم يتمكنوا من أن يغلقوا باب شقتهم بالترباس قبل النوم، لأن هناك آخرين يشاركونهم السكن، حياتهم كلها كانت داخل تلك الغرفة، تشارك الأب والبنات والزوجة النوم على السرير، وافترش الشباب الأرض، منعهم ضيق الحال من السعى للحصول على أماكن أخرى يشعرون فيها بأنهم يعيشون كغيرهم من الناس، لا تهمهم تلك الشقوق التى تملأ جدران غرفهم، ولا أن يوصفوا بسكان عشوائيات أو يُتهموا بالبلطجة، لكن كل ما يهمهم أن يتمسّكوا بحلمهم بالخروج فى يوم من الأيام من تلك الغرف الضيقة إلى عالم آخر واسع، لا تزيد مساحته على ستين متراً، إلى إحدى شقق حى الأسمرات.

 

 

 

 


مواضيع متعلقة