عائلة «البنجى».. حكاية 140 عاماً مع «المنديل والدفتر»

كتب: عبدالله عويس

عائلة «البنجى».. حكاية 140 عاماً مع «المنديل والدفتر»

عائلة «البنجى».. حكاية 140 عاماً مع «المنديل والدفتر»

لم يكن المأذون الشرعى فى يوم من الأيام الشخص الذى صوّرته لنا الأفلام السينمائية، والتى كانت تظهره بالجبّة والعمّة والسبحة، متأبِّطاً دفتراً ورقياً يضعه على منضدة ليكتب به بيانات الزوجين، ولا يخلو حديثه من كلام فصيح، يثير ضحك المشاهد، لكنه فى الواقع مجرد مواطن، يرتدى البدلة أحياناً والقميص والبنطلون أحياناً أخرى، ولا تخلو حياته من الطرافة والأحداث الغريبة، على حد سواء.

هم الذين «يوفقون رأسين فى الحلال»، وهم الذين يفرقونهما أيضاً فى حالات «البعض يذهب للمأذون مرتين»، بعضهم حاصل على شهادات فى الهندسة، وأخرى فى الإلكترونيات وغيرهم على شهادات كليات شرعية، يحضرون أفراح الجميع وأحزانهم أيضاً، شاهدين على تغيرات كبيرة حدثت بالشارع المصرى فيما يتعلق بالزواج، حالات عديدة من الزيجات الناجحة وغيرها التى كتب لها الفشل، والقلم الذى كتب عقد الزواج هو ذات القلم الذى يكتب كلمة النهاية بالطلاق.

 {long_qoute_2}

«ابن الوزّ عوام».. مثل ينطبق بشكل كبير على عائلة البنجى، إحدى أشهر العائلات فى حى عين شمس العتيق، الذى لو سألت أحد سكانه عنهم لأجابك: «تقصد عائلة المأذونين؟»، تلك العائلة التى اختارت مهنة المأذونية أو ربما اختارتها المهنة، فمنذ أكثر من 140 عاماً وهى تتوارثها أباً عن جد، منذ أن كان الزواج عند القاضى الشرعى أو من ينيبه، وأصبحت اليوم صاحبة 11 مأذوناً فى القاهرة بين أشهر أحيائها، تطلبهم فئات معينة من المجتمع لإقامة عقود الزواج الخاصة بذويهم، كأنما يليق بكل واحد منهم مصطلح «مأذون المشاهير».

مبانٍ قديمة، بعضها لا يزال بالطوب اللبن، كأنما المكان يعود بذاكرتك إلى زمان قد مضى، مشهد قد تراه فى ريف مصر لكنه هذه المرة داخل زهراء عين شمس، التى لا يزال المواطنون يطلقون عليها «كفر فاروق»، بعد أن كانت تسمى بكفر الجاموس، لكن المسمى تغير بعد زيارة الملك فاروق للمنطقة حين كانت تضم أفضل إسطبلات الخيول فى ذلك التوقيت، أحد تلك المبانى عبارة عن دور واحد أرضى، بشارع محمد أغا، لا يزال على حالته لولا بعض الألوان التى أضيفت إلى واجهته، وعلقت يافطة دُون عليها «المأذون الشرعى»، وبعبور الباب ستجد باباً آخر أصغر؛ باب خشبى قديم بمجرد الدخول منه ستجد نفسك داخل مكتب ينم عن قِدمه، بدءاً من التلفاز والكنب والسقف الخشبى والكراسى العتيقة وصورة مرسومة باليد للشيخ «إسماعيل حسن البنجى»، أول أفراد العائلة التى تخصصت فى المأذونية، وصورة أخرى للشيخ «محمد إسماعيل» ولده، على الناحية الأخرى من الجدار.

{long_qoute_1}

«أول واحد فى العائلة امتهن المأذونية كان الشيخ إسماعيل حسن البنجى، هنا فى عين شمس، لأننا هنا من مئات السنين رغم إن أصولنا صعيدية، ومش قادرين نحدد التاريخ بالظبط لكن فى قسيمة زواج لبنته كان هوه اللى عاملها ودى كانت فى سنة 1889، وكان شغال قبلها فى المأذونية لوقت طويل».. هكذا يحكى خالد محمد إسماعيل، مأذون دار السلام، حفيد المأذون الأول، وهو جالس بمكتب جده القديم، الذى عمل به والده أيضاً، وتولاه أخوه «أمين» من بعده.

وأضاف: «بعد جدى ما اتوفى ابن أخوه الشيخ أمين إبراهيم البنجى مسك المأذونية بعده وكان بيحفظ ولاد الشيخ محمد عبده القرآن هنا، بعد كده مسك المأذونية الشيخ عبدالرازق وأخوه محمد، ودلوقتى الشيخ أمين اللى ماسك المكتب، حفيد المأذون الأول، وإحنا 11 مأذون فى القاهرة، كلنا متوزعين فيها ما بين باب الشعرية والقطامية والروضة ومدينة نصر ودار السلام وباب الشعرية وجسر شبرا وعين شمس».

يلتقط منه الشيخ أمين أطراف الحديث قائلاً: «إحنا طلعنا لقينا أهالينا شغالين فى المأذونية من زمان وكانت بالنسبة لينا مصدر فخر، زى العمدّية كده، وكان بيتقال علينا لحد وقت قريب القضاة الشرعيين».. الشيخ أمين البالغ من العمر 72 عاماً، خريج الهندسة الذى عمل بشهادته بعض الوقت ثم توجه للمأذونية بعد مرض والده، وهو شاهد على زيجات كثيرة حدثت فى حياته فهو من كتب عقد الطيار سعد الدين شريف، قائد الطائرة الخاصة بالرئيس جمال عبدالناصر، «الزعيم نفسه كان موجوداً ساعة كتابة العقد، وكان شاهداً وقابلته وسلمت عليه كمان، وبعدها بفترة جالى كارت دعوة من الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكى لحضور حفل عيد العمال 1967».

يضحك الحاج أمين وهو يضيف: «واضح إننا تخصص سواقين، لأنى كتبت عقد قائد طيارة عبدالناصر وجدى كتب عقد سواق الملك فاروق، وكان اسمه على ما أتذكر محمد سنهابى».

{long_qoute_3}

للعائلة قصص طويلة مع الزيجات ومع المشاهير أيضاً، حسب الشيخ أمين: «والدى كان بيجيله هنا شادية ومديحة يسرى وفريد الأطرش وناس كتير، لأنه كان عنده إسطبل خيل جنب مهنته كمأذون، وفريد الأطرش نفسه جاب لى عجلة هدية وأنا صغير».

على مقربة منهم يجلس الشيخ أحمد، نجل الشيخ أمين، مأذون مصر الجديدة الشرعى، مرتدياً الزى الأزهرى؛ الجبة والعمة، فى استعداد لعقد قران سيذهب له بعد قليل: «والدى كان مأذون وأخويا كمان مأذون، وإحنا حبينا نحافظ على ده فى عيلتنا رغم إن كلياتنا مش متخصصة فى الشرع بس إحنا خريجين أزهر ودارسين شريعة».

تغييرات عديدة شهدتها العائلة فى الشارع المصرى، متأثرة أحياناً بالقانون وأحياناً بالوضع الاقتصادى المتغير: «لما اتطبق قانون الخلع وصدر فى عام 2000 بقت الرجالة تدفع مقدم كبير جداً وتسيب مؤخر لا يذكر، ودى مش شهامة ولا حاجة ده الزوج بيبقى خايف على نفسه يتخلع فيدفع كتير عشان لو مراته فكرت تخلعه ترجعله الفلوس تانى».. يقولها الشيخ عبدالحكيم محمد، مأذون جسر شبرا، مشيراً إلى أن هناك العديد من الحالات الغريبة التى شهدها فى المهور: «فيه ناس بتقولى أنا عاوز مهرى يكون القرآن وحفظه وبالفعل العريس بيحفظ جزء معين ويسمعه على والد العروسة ويبقى ده مهر العروسة».

أوراق صفراء قديمة عليها ختم ملكى، تكاد أوراقها تتفتت فى يد من يمسكها، هى عبارة عن عقود زواج قديمة ترجع إلى عام 1905 وأخرى تعود إلى عام 1907 وواحدة تعود إلى 1912، مكتوب على رأسها «وثيقة عقد زواج» قام بتوثيقها الشيخ إسماعيل البنجى، وبفك بعض خطوطها يتبين أنها تحتوى على اسم الزوج والزوجة، واسم أم الزوج والزوجة، ووكيل الزوجة، وأسماء الشهود وتسمية المهر سواء المقدم أو المؤخر، وتوقيع الشهود والمأذون ووكيل الزوجة، يمسكها الشيخ محمد أمين البنجى ويقول: «القسايم دى محتفظين بيها من زمان، وبيبان الفرق بين القسيمة الجديدة والقديمة فى عدة فروق زى السعر، القديمة كانت بقرش واحد ودلوقتى القسيمة بـ15 جنيه، وزمان كانت القسيمة عبارة عن ورقة سايحة على بعضها مفيش خانات لكن دلوقتى فيها خانات منظمة، وماكانش فيه بصمات سواء للزوج أو الزوجة وماكانش فيه صور ليهم، ولا عنوان مسكن الزوجية، كل ده دلوقتى اتغير، فالقسيمة مرت بـ3 مراحل؛ الأولى لما كانت صفحة على بعضها مفتوحة، والتانية لما اتعدلت وبقت فيها خانات للمعلومات، ودى كانت سنة 1955، والشكل الأخير الحالى ده من سنة 2000». يبتسم «محمد» ابتسامة عريضة، مجاهداً منع الضحكة أن تخرج مسموعة: «بقى فيه حاجة اسمها شروط خاصة مكتوبة فى العقد، ودى بتتيح للزوج والزوجة كتابة أى شروط يتفقوا عليها، ولحد دلوقتى أغلب الشروط بقت إن الزوجة تشترط ألا يتزوج عليها زوجها إلا بنص كتابى منها وده أنا شفته بنفسى».

حكايات طريفة تحدث مع هؤلاء الذين امتهنوا تلك المهنة، ولا تخلو جلساتهم من الحديث عنها، لعل أكثرها طرافة، ما حدث مع الشيخ محمد أمين أثناء ذهابه لعقد قران، كان يغالب الضحك وهو يحكى ما حدث له وسط أصوات ضحك المستمعين حوله:

«كنت رايح أكتب عقد فى بيت، وإحنا كمصريين عادتنا إننا بنعلق فروع نور على البيوت ساعة الفرح، وفعلاً رحت الشارع فلما لقيت النور متعلق دخلت، وكنت لابس الجبة والعمة ومعايا ورقى وجاهز، الناس رحبوا بيَّا جداً وقعّدونى وقدموا لى حاجة ساقعة وجاتوه، فأنا استغربت وقلت لهم لما نكتب الكتاب طيب نبقى ناكل ونشرب، لكنهم أصروا وبعد ما خلّصت جابوا لى شاى فبقولهم أمال العريس فين والعروسة؟ فقالوا لى أصل العريس مايكل لسه ماجاش من الكنيسة يا مولانا، وساعتها كلنا وقعنا على الأرض من كتر الضحك».

المصريون لهم فى كل شىء عادة، بعضها يستدعى الغرابة، والآخر يدعو إلى السخرية، أحدها المنديل وقصصه: «المنديل ده عامل أزمة للمصريين كلهم، وخناقات بتحصل بعد كتب العقد عشان الحصول على المنديل وممكن ناس ماتبقاش مركزة مع كلام المأذون قد ما بتركز على المنديل».

المأذون الذى يمارس المهنة منذ زمن طويل يشير إلى عادات غريبة أخرى غير التى تحدث مع المنديل: «القلم اللى باكتب بيه العقد، البنات بتتسابق لأخذه منى وبيحطوه فى كوباية مية ويشربوها، وبيعتقدوا إن ده هيكون سبب فى تسريع عملية الزواج»، لكن أكثر المواقف غرابة والتى حدثت مع الشيخ أحمد، فهو لعروسة أثناء عقد قرانها أصر أهلها على أن تقف فى صينية كلها جرجير وزرع أخضر للبركة، ولم تتحرك منها حتى انتهاء العقد وكانت ابنة لأحد أكبر رجال الأعمال فى مصر.

يقاطع حديثه صوت هاتف أخيه الشيخ محمد البنجى، ليجيب على الهاتف فتتبدل ملامح وجهه وبنبرة مرتفعة: «قلتلك مابجوزش قاصرات، لا 3 آلاف ولا 4، واتق الله فى بنتك عشان متظلمهاش»، ليجيبه الطرف الآخر: «فيه كذا مأذون قال لى هجوزهالك بس أنا عشان عارفك وباثق فيك عايز أجوزها عندك»، ليرد عليه: «اللى بيقولك هجوزهالك بيضحك عليك والورقة اللى بيكتبها ليس لها أى أثر قانونى وممكن يتقبض عليك وعلى الزوج وعلى المأذون وتروحوا فى داهية»، يغلق الهاتف ثم يقول: «ناس كتير عايزة تجوز بناتها قاصرات، وده حرام وظلم للبنت خصوصاً لو حملت وولدت مش هتعرف تسجل ابنها ده لإنها مابلغتش السن القانونى للزواج، وفيه ناس نصابة بتشتغل فى المأذونية ومتخصصين فى زواج القاصرات وفى النهاية الناس بتكتشف إنهم مش مأذونين أصلاً».

يعود الشيخ أمين بنجى مرة أخرى إلى الحديث لكنه هذه المرة يطلق مفاجأة: «العائلة فى طريقها لتعيين أول مأذونة من داخل العائلة، وإن شاء الله لما تتعين نعرفكم اسمها»، ليؤيده نجله محمد الذى يضيف: «إحنا حب المأذونية بيجرى فى دمنا وآدى السيدات دخلوا على الخط، وعندى ابنى عمرو فاهم فى كل حاجة تتعلق بالزواج، حتى القوانين ونفسه يبقى مأذون لما يكبر».

العائلة لها صدى بين كبار المسئولين، فإلى جانب إقامتها عقود زواج بشكل عام إلا أن فئة معينة تطلبهم بالاسم، سواء كانوا وزراء أو رجال أعمال أو أحد الشخصيات العامة: «فرح دنيا سمير غانم أنا اللى عقدته، كذلك بنت الكابتن حسام البدرى وساعتها كان الفريق أحمد شفيق شاهد على العقد، كذلك ابن الشهيد المستشار هشام بركات وكان حاضر فيه أغلب قضاة مصر، وعقد زواج عمرو جمال لاعب الكرة الشهير، ونجل محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان الأسبق، وعقد أحد أقارب الفريق مهاب مميش وكان هو موجوداً وشاهداً على العقد».


مواضيع متعلقة