اللعنة الإلكترونية

د. هبة يس

د. هبة يس

كاتب صحفي

هو إحنا ليه بقينا حاسين دايمًا إنّه مفيش وقت للتفكير بهدوء في أي حاجة؟، أو للاستمتاع على مهلنا بأي حاجة؟، أو حتى لمجرد "القعاد" بسكينة واسترخاء كده ولو لعشر دقايق بس في اليوم؟!.

هو وقت الفراغ راح فين؟، ليه بقينا إما صاحيين بنشتغل وبنجري من هنا لهنا، أو نايمين جثة هامدة أنهكها الإرهاق والضغط العصبي؟!، ليه آبائنا وأجدادنا كانوا عنوان ومثال للرواقة وراحة البال وإحنا مش عارفين نبقى زيهم؟!.

الأسباب كتيرة، ومنها اللي مش هنقدر نسيطر عليه إحنا كأفراد، لكني هاتكلم المرّة دي عن واحد من الأسباب دي، واللي ممكن نتحكم فيه ونقننه ببساطة، واللي هاتحس بعدها بتحسن فوري وواضح، وجرَّبها بنفسك.. هاتكلم عن "ثورة الاتصالات"، أو اللي أنا باسميها "اللعنة الإلكترونية".

زمان كان في وقت معين بتستغرقه الرسائل، وأوقات معينه لإرسالها واستقبالها، فكان من الطبيعي جدًا أن الواحد يشعر بالرضا والطمأنينة لأنّه خلّص اللي وراه بعد ما يرسل الرسالة، وبالراحة والاسترخاء لأنه مفيش حاجة تتعمل لغاية ما يجيله الرد، لكن دلوقتي أنت بتبعت أي رسالة لأي شخص في أي مكان من العالم في أي وقت، ليل أو نهار، وقت شغل أو وقت راحة، أو حتى يوم أجازتك، سواء من مكتبك أو من بيتك، أو حتى من سريرك، فأنت طول الوقت دلوقتي "أونلاين" لغاية ما يوصلك الرد في أي وقت كان، وبالتالي أنت على طول منتظر، ومشغول، وبتفكر، أنت دايمًا مستعد.

وحتى بعيدًا عن الشغل، فثورة الاتصالات دي خلت من السهل جدًا أن أي واحد يسحب موبايله من جيبه في أي وقت، ويغرق بين صفحات الأخبار والرياضة والبورصة، وحتى الطبيخ، ده غير مواقع التواصل الاجتماعي اللي بيطلع منها موقع جديد كل يوم دلوقتي، إشي فيس بوك، وإشي تويتر، وإشي واتس آب، على تيليجرام، على فايبر، على سناب شات، وهلّم جر، وطبعًا عشان تتابع حضرتك كل ده كل يوم، هاتلاقيه بيبلع أي دقيقة فراغ كان ممكن ترتاح فيها، أو تستغلها في تخفيف الضغط عن نفسك، مش عشان تزوده!.

شوف نفسك كده، وبص على حياتك لما النت يقطع في يوم، أو لما موبايلك يفصل شحن وأنت في مكان مافيهوش شاحن، أد إيه الدنيا بتبقى هادية وبسيطة، وأد إيه ممكن تلاقي وقت ساعتها تقعد تدردش مع اللي حواليك، أوتقعد تفكّر في حاجة براحة، أو حتى تقعد مسترخي و"مأنتخ" كده سلطان زمانك.

جرّب تعمل وقت معين في اليوم تفتح فيه إيميلك وفيس بوكك والذي منه كله براحتك، أو حدد أكتر من وقت قصير خلال اليوم لكده، وبعد الوقت ده ما يخلص ارجع عيش حياتك تاني من غيرهم، اركن موبايلك على جنب أما تكون قاعد في وسط عيلتك، بلاش تنام والموبايل مفتوح جنب راسك أو تحت مخدتك. في الأول هاتلاقي نفسك تايه وتعبان يا عيني زي اللي بيتعالجوا من الإدمان، معلش أكتر من كده وربك بيزيح، لكن بعد كده هاتلاقي نفسك تخلصت من وضع الاستعداد والتأهب الدائم لاستقبال أي حاجة في أي وقت ده، وهاترجع تحس إن حياتك رجعت لك من جديد، وان وقتك بقى ملكك من تاني، أو على الأقل جزء منه، ومتقوليش مقدرش أصل أنا شغلي مش عارف عامل إزاي، على فكرة كل الناس الكبارة المهمين في العالم بيعملوا كده، وعشان كده هم بقوا كده.