إعلانات رمضان.. و«الوعد بالجن

لطالما أحببت أن أطالع الإعلانات القديمة المنشورة فى الصحف المطبوعة كلما تيسَّر لى ذلك، فمن خلال تلك الإعلانات كان بإمكانى دوماً التعرف إلى طبيعة المجتمع، ودرجة تطوره الاقتصادى، ومستواه التقنى، وحسه الفنى.

تمثل الإعلانات انعكاساً أميناً للحالة المجتمعية؛ إذ يعكس رواجها وكثافتها حجم الأنشطة الاقتصادية، وتعكس جاذبيتها مستوى الإجادة الفنى والتقنى، ويعكس ذوقها المستوى الثقافى والاجتماعى للمنتجين والمُستهدفين.

بالنسبة إلى إعلانات رمضان هذا العام، سيمكننى أن أستخلص النتيجة التالية: مجتمع طبقى مقسوم، وأنشطة اقتصادية مختلة، وتقدم تقنى واضح، وحالة فنية تقليدية.

سيكون من المفيد جداً أن يُقدم باحث جاد، أو مجموعة من الباحثين، على إجراء دراسة علمية لتحليل إعلانات شهر رمضان المنصرم، وحتى يحدث ذلك، سيمكننى أن أدلى بانطباعاتى الناشئة عن متابعة معظم الإعلانات التى يتم بثها فى فترة ما بعد الإفطار مباشرة، على مدى أيام الأسبوع الأخير من الشهر الفضيل.

يتضح من التحليل الأولى لتلك الإعلانات أنها انقسمت إلى قسمين رئيسيين كبيرين، أولهما يعلن عن منتجعات فاخرة للسكن أو لقضاء فترة الصيف والعطلات، وثانيهما يعلن عن منظمات أهلية تريد من المواطنين أن يتبرعوا لها لسد حاجات جمهور فقير لا يجد أى نوع من الرعاية.

فى القسم الأول يتم الوعد بـ«الرفاهية، والمتعة، والراحة، وملاعب الجولف، وحمامات السباحة، وأرقى الكافيهات والمطاعم، وأفضل المناظر»، وبتعبير بسيط «جنة على الأرض».

وفى القسم الثانى يتم الوعد بـ«ثواب الآخرة، ورضا الرحمن وعفوه، وإدراك الرحمة والمغفرة، جزاء التبرع للمحتاجين»، وبتعبير بسيط «جنة فى الآخرة».

ما هذا البلد النامى الذى تتفرغ منظومته الاقتصادية لإنتاج الوعد بالعيش فى الجنة؟

كيف تتوقف المنظومة الاقتصادية لهذا البلد عن التفكير فى كيفية العيش على الأرض؟

من المقبول جداً أن يسود ذلك النوع من الإعلانات فى بلد مثل فنلندا أو السويد أو سويسرا أو الدنمارك أو حتى الإمارات؛ فتلك الدول تعرف أعلى معدلات الدخل الفردى فى العالم، وتزدهر فيها أنشطة اقتصادية تستهدف تحقيق أكبر قدر من الرفاه لسكانها والمقيمين فيها، كما أنها تمتلك من الفوائض ما يسمح لهؤلاء السكان بالتبرع لسد عوز آخرين.

لكن كيف يزدهر هذا النوع من الإعلانات فى دولة نامية، تئن تحت وطأة الديون، وتواجه تحديات اقتصادية ضخمة، وتحتاج نهضة اقتصادية إنتاجية كبيرة لكى تفى بالتزاماتها؟

إن الحالة الإعلانية الرمضانية المصرية تكشف عن هوة طبقية واسعة تعانيها البلاد، بين قلة غنية مرفهة، تحتشد المشروعات المعمارية من أجل أن تلبى تطلعاتها، ويلهث المجتمع المدنى وراءها لكى تتبرع لأنشطته من جانب، وبين سواد أعظم واسع فقير من جانب آخر.

يقودنا ذلك أيضاً إلى رصد ضيق أفق الصناعة فى مصر، وانصراف عدد كبير من رجال الأعمال والشركات الكبرى المحلية والأجنبية إلى الاستثمار فى قطاع الإسكان الفاخر، بما يستتبعه ذلك من ضخ مليارات الجنيهات فى تلك المبانى باهظة التكاليف، وحرمان القطاعات الإنتاجية الأخرى منها.

صحيح أن بعض الإعلانات التى تم تنفيذها هذا العام كان يتمتع بمستوى فنى لائق، عبر استخدامات تقنية حديثة وجذابة، لكن تلك الجاذبية لا تعوض الافتقاد للتجديد.

اللجوء إلى النجوم الكبار بغرض توظيفهم لخلق المطاوعة لدى المشاهدين مسألة سهلة ولا تنطوى على إبداع كبير، لكن الأفكار الجيدة المبتكرة، بالتكاليف المحسوبة، والتوظيف الذكى للتكنولوجيا، تحقق الاختراقات وتجلب النجاحات الكبيرة.

إذا جاء رمضان جديد وشاهدت الإعلانات التى تقدم بين برامجه ومسلسلاته، ولاحظت أن الوعود بالجنة تتراجع، فاعلم أننا بدأنا السير فى السكة الصحيحة.

نحن نحتاج إعلانات عن العمل والإنتاج، وترويجاً للصناعة والابتكار، وطلبات للتعليم والتوظيف، وعندها سيمكن أن نصنع «جنتنا»، التى سيحرمنا واقعنا الحالى من أن نراها سوى فى الإعلانات.