بمجرد إصدار النيابة لقرار نقل مسحول الاتحادية من مستشفى الشرطة لمستشفى عام، عاد صابر لموقفه الأول حين أكد اتهاماته للأمن بسحله وضربه وتعمد تعريته بشكل كامل علناً، وكان تراجع صابر عن اتهام الأمن خلال الأيام الماضية محل استنكار كبير من البعض، وتعاطف وشفقة من البعض الآخر طوال الأيام الماضية، بل أثار نقاشاً واسعاً فى المجتمع حول المعنى الحقيقى للكرامة فى هذا البلد.
منذ الثورة، اعتاد صابر، مبيض المحارة البسيط، الخروج فى المظاهرات، وبصحبته أسرته المكونة من زوجة وابنتين وطفل صغير أملاً فى تحسن حاله بعد أن أصبح عاطلاً عن العمل تقريباً، نظراً لطبيعته المقهورة غالباً ما كان يكتفى بالحد الأدنى الآمن من المشاركة؛ الهتاف مع المحتجين، مع استخدام فنون التحايل المصرية المعروفة؛ الوجود دائماً فى المواضع البعيدة عن الاحتكاكات والذوبان فى زحام كتل المتظاهرين الآمنة. يعيش صابر وأسرته فى غرفة لا تحوى سوى سرير وكنبة، ضمن شقة من ثلاث غرف، ويشتركون مع الأسرتين الأخريين فى حمام واحد (حوالى 15 فرداً)، أما الطرقة فتحتوى على بوتاجاز هو مطبخهم المشترك أيضاً.
فى هذا اليوم المشئوم، لم تكن الأسرة المنهكة تنوى النزول للمظاهرة، ولكنها كانت قررت الخروج لشراء «طقم» للابنة يناسب حفل شبكتها فى اليوم التالى. القلق ينتاب صابر خشية ألا تكون الجنيهات القليلة فى جيبه كافية للمطلوب. يطرق باب الحجرة المجاورة مخاطباً جارته: «شوفيلى معاكى 10 جنيه». تتوجه الأسرة لمنطقة روكسى التى تغير حالها وأصبح جزء منها سوقاً للملابس الرخيصة. تقترح البنات على الأسرة الاقتراب من منطقة التظاهر لاحتساء «حاجة ساقعة» و«الفُرجة» على أحداث الاتحادية (فيلم أكشن ببلاش بدلاً من العودة لحجرة السكن الضيقة مبكراً). فجأة ينتشر الغاز، الجميع يجرى والأسرة تعود مسرعة للميدان، باستثناء صابر الذى لم يتحمل الغاز لإصابته بمرض صدرى، مما انتهى به لحالة إغماء، ليصبح الفريسة التى صب عليها الضباط والجنود جام غضبهم على من فر من المحتجين، فى مشهد لاإنسانى تابعه العالم كله فى لحظات. كان أكثر ما لفت نظرى، السرعة التى غير بها صابر موقفه حين نفى الاتهام عن الأمن، واستعادته للياقته الصحية وتماسكه النفسى بالسرعة ذاتها، بل وحالة الحماس والفرح والحبور التى اتسم بها وهو يكرر القصة المختلقة العكسية من قناة تليفزيونية لأخرى، دون أن يفوته توجيه ابتسامة خفيفة مع غمزة سريعة للضابط المجاور للكاميرا.
ككل «صابر» بسيط فى مصر، تعرض الرجل للسحل الاجتماعى والانكسار النفسى لسنوات طويلة، انكسرت عيناه مرات أمام زوجته وأبنائه لعجزه عن الوفاء باحتياجاتهم الأساسية البسيطة. أكاد أجزم أنه وهو يشعر بسحب الجنود لبنطلونه وسرواله، لم يكن منشغلاً بكرامته ولا بكرامة وطنه التى تمرغت فى الوحل منذ زمن، بل كيف سيواجه ابنته دون جنيهات «الطقم» التى كانت فى جيب البنطلون. استعاد خطيب الابنة الشبكة وفسخ الخطوبة بسبب ما اعتبره عاراً للأب وللأسرة. هل كان يقصد عار السحل الذى لاينبغى أن يعاقب الرجل عليه مرتين، أم عار قبوله للصفقة نظير «كرامته»؟
حالة الحبور التى ظهر بها صابر فى مستشفى الشرطة فسرها البعض آنذاك بصفقة الداخلية معه؛ مبلغ مالى محترم، وظيفة إدارية دائمة ومسكن لائق له ولأسرته، وبعد تأكيد الرجل لاتهاماته للأمن أخيراً، يمكن تفسير حالته الصبوحة بقراره الداخلى الحاسم المطمئن بعدم التفريط أبداً فى كرامته، مهما تحايل على الأمن انتظاراً لوصول النيابة التى يتأكد يوماً بعد يوم أنها ما زالت الحصن الذى يرتكن إليه المواطن فى اللحظات الصعبة.