«مول البستان»: معركة جنى ثمار «تجارة الكمبيوتر» فى وسط البلد

كتب: محمد أبوضيف

«مول البستان»: معركة جنى ثمار «تجارة الكمبيوتر» فى وسط البلد

«مول البستان»: معركة جنى ثمار «تجارة الكمبيوتر» فى وسط البلد

يظهر جلياً بألوان واجهته الزاهية المميزة فى وسط البلد، كقبلة للراغبين فى شراء كل ما يتعلق بأجهزة «الكمبيوتر»، وعمليات إصلاحه، 5 طوابق وجراج متعدد الأدوار، هى مساحة «مول البستان»، تلك البقعة التجارية الأهم وسط العاصمة نظراً لموقعها الجغرافى بشارع يوسف الجندى، لا يفصله عن ميدان باب اللوق إلا خطوات ولا يبعد عن ميدان التحرير سوى دقائق معدودة، ومنذ ما يزيد على عام يشهد المول نزاعاً قضائياً وصراعاً بين شركة «الذهبية» المالك الجديد من جهة، والمنتفعين المنتهية عقودهم من أصحاب المحال، الرافضين لإخلاء المول خوفاً من قطع عيشهم، بينما تقف محافظة القاهرة، صاحبة ملكية المول، مكتوفة الأيدى لا تحرك ساكناً.

{long_qoute_1}

«bot» هو نظام الملكية الذى تشارك فيه الدولة ممثلة فى «محافظة القاهرة»، المستثمر صاحب حق الانتفاع بـ«البستان»، والذى حصلت عليه شركة «الدرة» فى البداية للانتفاع به، مقابل بنائه وتجهيزه خلال وبعد انتهاء عقد الانتفاع فى 19 مارس 2015، طرحت المحافظة المول لمزايدة مرتين متتاليتين انتهى المزاد الثانى بحصول شركة «الذهبية» لمالكها طارق أحمد بلال، وعدد من المستثمرين العرب، على حق الانتفاع به وتطويره لمدة 10 أعوام، ولكن خلافاً نشب وعلى مدار 7 أشهر بسبب رفض المستأجرين الإخلاء، خوفاً من قطع العيش والتشريد.

بعينين شاخصتين تفحص أحد أجهزة الكمبيوتر القديمة الموضوعة على الطاولة أمامه، مجرد دقائق وعدل وجهته ناحية صاحب الجهاز، وأخذ يفسر له سبب العطل وتكلفة الإصلاح، حيث اعتاد أحمد قطب، صاحب محل للصيانة بمركز البستان التجارى بوسط القاهرة على التعامل مع مثل هذه الأجهزة القديمة يومياً، منذ أن تحول ذلك المحل من بيع الملابس إلى صيانة أجهزة الكمبيوتر، وبات المركز التجارى يُعرف بـ«مول البستان للكمبيوتر».

«قطب» متعاقد على الانتفاع بتلك المساحة داخل «المول» منذ تأسيس شركة «الدرة» للمول، وكان فى البداية مجرد محل لبيع الملابس، شأنه شأن جميع محال المول، الذى خُصص لبيع الملابس منذ إنشائه عام 1989، حتى تحوله إلى أكبر سوق لبيع وصيانة أجهزة الكمبيوتر فى مصر مع حلول عام 2004.

وبدأ كل منتفع، حسب الرواية، يستقطع جزءاً من محله ليؤجره لآخر بعدما ازدهرت تجارة الكمبيوتر فى المول، حتى تحول كله تدريجياً إلى «مول للكمبيوتر ومستلزماته»، حتى فوجئ المنتفعون بقرار صادر من محافظة القاهرة فى مارس 2015 بإخلاء المول. {left_qoute_1}

حينها قرروا رفع قضية على محافظة القاهرة بأولويتهم فى مد التعاقد والتأجير مرة أخرى بعد انتهاء عقد شركة الدرة، وطالبوها بالوفاء بالبند الخاص بأولوية التأجير لهم بعد انتهاء المدة، وهو مبنى على قرار قديم من محافظة القاهرة يعطيهم الأولوية فى التعاقد بعد انتهاء المدة، لكن حسب «قطب»، لم يكن أحد يمتلك نسخة من ذلك القرار سوى شركة الدرة نفسها، التى أخفته عن المنتفعين ورفضت إعطاءهم نسخة منه، ولكن انتهت القضية بخسارة المنتفعين.

«قطب» يقول: أقامت المحافظة مزايدة أولى انتهت بعقد الانتفاع بـ15 مليوناً للعام الواحد، وهو ما لم يرض طموحات المحافظة فاتخذت قراراً بإلغاء المزايدة، وأقامت غيرها وهو ما رسا على شركة الذهبية وصاحبها طارق بلال بـ35 مليوناً و300 ألف جنيه: «تقدر تقولى بقى هو هيعوض المبلغ اللى تقريباً يوصل لضعف المزاد الأول منين غير من جيوبنا».

«الأولوية لمن يدفع أكثر» هو الشعار الذي رفعه طارق بلال حسب رواية قطب، وبدأ فى رفع سعر المتر الواحد فى المول من 150 جنيهاً و100 جنيه كانت تدفع سابقاً لشركة الدرة إلى 500 و700 جنيه للمتر الواحد: «وطبعاً ده مستحيل»، لكن فى 24 ديسمبر عام 2015 حصل «قطب» ورفاقه من المنتفعين بالمول على حكم من أول درجة على قبول طعن فى القضاء الإدارى يحمل رقم «1531 - 70 ق - ق. س» لوقف قرار المحافظ بإخلاء المول ومد التعاقد بعد انتهاء عقد شركة الدرة مع المحافظة.

{long_qoute_2}

طارق بلال، الطرف المصرى فى شركة «الذهبية» الحاصلة على عقد الانتفاع بالمول لمدة 10 سنوات بجانب مستثمرين سعودى وإمارتى وآخر كويتى، قال إنه بعد انتهاء المزاد لم تسلم المحافظة المول ورفض المنتفعون والمستأجرون الخروج من المول، على الرغم من أنه عرض عليهم أسعاراً للمتر الواحد أقل مما كانوا يدفعونه لسماسرة، حيث يؤجر السمسار المتر الواحد بـ1000 و1500 جنيه، فى حين كان عرضى عليهم 500 جنيه للمتر، ولكن ذلك لم يعجب السماسرة لأن تجارتهم ستتوقف بذلك: «وهناك 80 واحد تعاقدوا معايا ودفعوا مقدمات ولكن للأسف هددهم السماسرة وطردوهم من المول»، يرفض «بلال»، حسب زعمه، طرد العاملين فى المول والمستأجرين: «المول تحول إلى خرابة يحكمها السماسرة بقوة بطش وبلطجة».

ويقول «بلال» إنه أرسل فى 5 مارس 2016 للمحافظة إنذاراً قضائياً «يا تسلمنا يا تدينا فلوسنا و5 مليون جنيه تعويض عن كل شهر»، وفى يوم 8 مارس دعته «المحافظة» لاجتماع فى مكتب السكرتير العام، وكان ضمن الحضور حسن درة، رئيس شركة درة الشركة المتعاقدة القديمة، ووافق «درة» ووقع على إقرار وتعهد بتسليم المول خلال خمسة أيام.

وفى 9 مارس هاتف مكتب السكرتير العام فى المحافظة، طارق بلال وطالبه بالتوجه لاستلام المول، بصحبة عدد من العاملين فى إدارات شركته «الذهبية» بما فيها إدارة الأمن للسيطرة على المول واستلامه، وبالفعل يقول «بلال»: «توجهنا نحو المول 7 صباحاً للاستلام طبقاً للتعهد الذى وقع عليه «الدرة» والاتفاق الذى تم معه، وصعدنا للدور التاسع للاستلام من مقر شركة «الدرة»، لكن فوجئنا بمدير الشركة يتصل بالمنتفعين لنفاجأ بهم يحاصروننا داخل المول، وتدخلت الشرطة وأخرجتنا خارج المول ولكن رفضت تنفيذ قرار التسليم الخاص بالمحافظة».

كانت تلك الحادثة نقطة تحول فى مسار قضية المول، لم يتفق المستأجرون والمنتفعون بالمول مع رواية «بلال»، ولكن اتهموه بمحاولة السيطرة على المول من خلال بلطجية اعتدوا عليهم وأصابوهم إصابات بالغة، حرروا على أثرها 123 محضر تعدٍ، كما تقدموا ببلاغ رقم 3811 عرائض النائب العام لسنة 2016، وبلاغ أيضاً لهيئة الرقابة الإدارية للتحقيق فى واقعة اصطحاب سكرتير عام محافظة القاهرة لعدد من الأشخاص، وقيامهم بالتعدى على مستأجرى وعمال مول البستان بالمخالفة للقانون، حيث تحرر محضر رقم 2355 لسنة 2016 جنح عابدين.

ويسرد «بلال» الأحداث بعد الواقعة، التى وصفها بالمماطلة، قائلاً: «إنه فى 21 مارس اتصل بى السكرتير العام للمحافظة، وطالبنى بإحضار أوراقى، فرددت عليه بأن الورق عندكم منذ شهر أبريل 2015 ومقبول فنياً، ولكن طالبنى بإحضارها مرة أخرى وبالفعل أرسلتها مرة أخرى، وفى 9 أبريل أرسل لى مكتب السكرتير العام المساعد خطاباً يطالبنى فيه باستيفاء أوراقى، خاصة الأوراق الخاصة بسابقة الأعمال، وذلك لتسليم المول خلال أسبوع من تاريخه وقمت بتسليم سابقة الأعمال فى 13 أبريل، أى خلال 48 ساعة، ومر الأسبوع ولكن لم يتم التسليم».

ورغم إرسال كل الأوراق والأصول، فوجئ «بلال» بوجود سجل جديد لإحدى شركاته الجديدة غير المستوفية للشروط، وليس لها علاقة بقصة المول، سُرقت أوراقها من محاميه يوم حادث الحصار داخل المول، ودفع بتلك الأوراق المزيفة بدلاً من أوراقه المقدمة للتعاقد على المول، وقدموا من خلال طعن بعدم صحة المزاد وعدم مطابقته لكراسة الشروط الخاصة به.

ويقول «بلال»: «بعد رحيل المحافظ جلال سعيد، ظهرت مافيا تتلاعب لإلغاء المزاد»، وأردف: «منذ توقيع العقد على المزاد وحتى الآن يضيع على الدولة 3 ملايين جنيه شهرياً، وعائد من وراء المول لا تجنى منها الدولة أى شىء، بجانب ما عليه المول من وضع مزرٍ وإهمال، وفتح كباريه فى الدور الأرضى».

رحل السكرتير العام القديم، وفوجئ «بلال» بالسكرتير العام الجديد، محمد الشيخ، يقوم بتشكيل لجنة لفحص الأوراق، وفى 8 يونيو 2016، أرسل له طلباً باستيفاء الأوراق ومطالبات بأوراق ومستندات جديدة لم تكن موجودة بكراسة الشروط؛ سجل تجارى مثبت فيه سابقة أعمال، وخبرة سابقة فى إدارة المولات، وعقود صيانة لمول سابق، وعقد صيانة للمول لكافة أنواع الخدمات فى مول البستان، فى الوقت التى تطلب فيه كراسة الشروط الخاصة بالمزاد اسم الشركة، والجنسية، والنشاط الرئيسى، والهيكل التنظيمى، وسابقة أعمال وخبرة فى إدارة المولات، ولكن رغم ذلك كل تلك الشروط متوافرة لدينا، وفى النهاية مدير الإدارة المالية، متولى عبدالعاطى، قال لى نصاً: «فيه جهةمش عايزة الموضوع يتم»، وتقدم بشكوى للرئاسة باسم المستثمرين العرب، ولكن للأسف لم تحرك ساكناً.

بأناقة شديدة وكلمات منمقة أخذ شريف عبدالحى، أحد المنتفعين من مول البستان، وأحد من يسميهم المالك الجديد للمول بـ«السماسرة»، يتفق فيما راح إليه السكرتير العام الجديد، محمد الشيخ، من تشكيل لجنة لمراجعة أوراق المالك الجديد، بل ويؤيد ما أضيف من مطالبات وشروط غير مطابقة لكراسة شروط المزاد، يقول إنها حُذفت من كراسة شروط المزاد من الأساس بفعل فاعل لكى يتمكن المالك الجديد من دخول المزاد من الأساس، ويتهم فى ذلك أحد المسئولين بمحافظة القاهرة عن كراسة الشروط.

يوضح الرجل أن هيئة الرقابة الإدارية حققت فى القضية وكشفت وجود تلاعب فى كراسة شروط المزاد وحصول أحد المسئولين بالمحافظة على رشاوى مقابل التعديل فى كراسة الشروط، مشيراً إلى أن ذلك التقرير موجود الآن بين يدى المحكمة التى تفصل فى الأزمة، وأن ذلك المزاد باطل، وما بُنى على باطل فهو باطل.

ويقول «عبدالحى»: «إن المزاد الثانى هو شكلى وغير حقيقى وتم بالتواطؤ مع أحد المسئولين فى محافظة القاهرة»، ويضيف بملامح غاضبة: «شبهة الفساد تحوم بشدة، والمزاد قيمته لا تزيد على 15 مليوناً، كيف يأخذه بـ35مليون جنيه، أى يدفع فى عشر سنوات أكثر من نصف مليار جنيه؟ ونمتلك تقريراً من هيئة الرقابة الإدارية يحمل رقم (1017572) يكشف عن ذلك التواطؤ.

فى خضم ذلك الصراع الدائر، كان هناك ضحايا لا ناقة لهم ولا جمل، سوى أنهم قرروا أن يتعاقدوا مع المالك الجديد، وهم عدد من المستأجرين من الباطن من المنتفعين، كان مصيرهم المؤسف هو الطرد من جنة المول بعد تعاقدهم مع المالك الجديد، والخروج عن جموع المنتفعين الرافضين للتعاقد معه.

مصطفى إبراهيم، يؤجر محلاً من الباطن منذ تحول المول من الملابس إلى الكمبيوتر فى عام 2004، ويقول إن السماسرة أوهموه أنهم بعد انتهاء العقد وصدور قرار الإخلاء سيمدون العقود من جديد ولكن دون جدوى.

الشاب، خريج كلية الحقوق، أدرك بعد فترة أنهم، يحصلون على عمولات من إيجارهم ويستفيدون كل الفائدة من بقائهم داخل المول من خلال الفرق الرهيب فيما يدفعون ثمناً لإيجار المتر الواحد وما يدفعونه للدولة.

توجه «إبراهيم» لمقابلة طارق بلال، المالك الجديد، ووجد أنه الخلاص من السماسرة، فى ظل زعم المالك الجديد فى التأجير للعاملين أنفسهم دون وجود السماسرة: «عايز يأجر للناس مباشرة بدون وسطاء ولا سماسرة»، وحجز معه على الفور، ولكن كانت المفاجأة فى رد فعل السماسرة، الذين دفعوا بعض من وصفهم بـ«البلطجية» لطرده من محله: «أى حد بيعرفوا إن هو تعاقد مع الشركة الذهبية يروحوا طاردينه من المحل ويجيبوا حد مكانه»، ولا يستطيع من يُطرد أن يتفوه بأى كلمة: «أى حد مأجر فى المول ماضى على شيكات بقيمة المدة التعاقدية بحيث يجبروه يكون معاهم طول الوقت».

ورغم تحرير «إبراهيم» لمحضر بالواقعة ولكن لم يكن له جدوى، حيث حُفظ المحضر لعدم امتلاكه أى أوراق تثبت حقه، فكل عمليات التأجير بالمول تحدث من الباطن وبدون أوراق تثبت حقوق المستأجرين.

اللواء أحمد تيمور، القائم بأعمال محافظ القاهرة، يقول لـ«الوطن» إن المزاد على مول البستان شابه شىء من المخالفات، والآن تقوم لجنة قانونية من المحافظة بالتحقيق فى الأمر، والقضية برمتها أحيلت للنيابة العامة للتحقيق فيها، لإعادة الأمور لنصابها، وسيكون هناك قرار ينهى القصة قريباً بعد انتهاء أعمال اللجنة القانونية التى شكلتها المحافظة، لمحاسبة المقصرين والمخطئين، مشيراً إلى أن على رجل الأعمال طارق بلال أن يتخذ كل ما يراه من الأمور القانونية التى تحفظ حقه المالى.

 


مواضيع متعلقة