أبيض أو أسود.. إذاً أنت فى مصر

سهير جودة

سهير جودة

كاتب صحفي

نحن ننفعل حباً أو كرهاً، نستسهل الانفعال ونتخذ مواقف ونقرر مصائر ونصنع التاريخ بالانفعال وليس الفهم لأن الفهم جهد ليس لنا به علاقة قرب أو قرابة أو إعجاب.

فى كتاب هيكل «زيارة جديدة للتاريخ» وأثناء تقديمه لشخصية شاه إيران، التى احتار هو شخصياً فى تحديد موقفه منها، أكد على مرض مزمن فى العقل العربى عندما قال: «الفهم أو محاولة الفهم أصعب الأشياء فى السياسة وفى الحياة عموماً لأنها جهد نفسى وفكرى وإنسانى مرهق».

ويعيب «هيكل» على العقل العربى قبوله السهل والسريع لثنائية الأبيض والأسود التى أخذته إلى متاهات لها أول وليس لها آخر وحملته إلى بحار بغير شطآن.

الروح أو المادة، العلم أو الفن، الحب أو العقل، المال أو الجمال، الأصالة أو المعاصرة، الوطنية أو القومية، القومية أو السلام.. ثنائية حادة وقاطعة لا تحتمل أى تنوع أو تلوين مما تصنعه الظلال نتيجة لتحول الفصول واختلاف المناخ وتغير الطبيعة ذاتها.

ثم إنها ثنائية لا تحتمل أى نوع من أنواع الاتساق ولأنها متجذرة فى العقل العربى يؤكد «هيكل» أنها وصلت به إلى حيث يستطيع أن يحب أو يكره لكنه قليلاً ما يجرب أن يفهم وحينئذ يتضح له أن الحب أو الكراهية هما أسهل الاختيارات بينما الواقع أو الحقيقة أعقد كثيراً فى كل الثنائيات ومسألة العقل الثنائى أصبحت قضية شديدة الخطورة فى عصر ما يسمى «بالتعبئة الشاملة» التى جاءت عبر وسائل الاتصال الحديثة وساعدت على التعميم والتسطيح.

توصيف «هيكل» منذ سنوات طويلة فما زلنا عند نفس النقطة ندور فى هذه الثنائية والتى استحوذت علينا وأصبحنا أسرى لها ومع كثرة وسائل الاتصال الحديثة أصبح التسطيح أسلوب حياة.

فالعقل الذى توطنت فيه أمراض ولا يرى أن فى فكره مرضاً بل تشكيلة أمراض مدمرة لن يعتمد التفكير مبدأ ولن يتخلى عن الانفعال ولن يرى علته وسيبقى فى عداء مع الفهم والعلم.

فى هذا الإطار ومن الإشارات المهمة استوقفنى تعليق لـ«هيكل» أثناء حواره مع «أينشتاين» وكان الحوار قد تطرق بينهما إلى المسئولية الاجتماعية والإنسانية للمفكر، وقال «هيكل» جملة هى توصيف انتقل عبر السنوات بنفس محتواه: «إن الأعاصير جرفت فى مصر وفى غيرها من العالم العربى -دور رعاية الفكر- ذهب الأمير، وتبعثرت برجوازية ملاك الأرض، ولم تتمكن المؤسسة ولا استطاعت الجامعة وانتقل الزمام إلى أيدٍ لا تعرف -وربما لا تريد فكراً أو فناً- ولقد وجد الناس خاصتهم وعامتهم أنفسهم فى حال غريب ضاع فيه المشروع العام (المسئولية الاجتماعية والإنسانية) ولم يبق إلا المطلب الفردى ممثلاً فى (الغنى الشخصى) وحين أصبح كل واحد ونفسه وكل واحد فى مقابل الآخرين (الغياب رابطة المشروع العام) وجد الفكر نفسه وحيداً أمام الرياح وعليه تدبير أمره وتاهت حقائق وضاعت رؤى.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فما زالت الأعاصير على قوتها وما زال الفكر طفلاً لقيطاً يعلن وحشة وصقيع ليل شتاء مظلم.

حديث «هيكل» عن الفكر وعن المسئولية الاجتماعية غاية فى الأهمية وهو ينطق بلسان حالنا الآن وكيف نحسب على الفكر ما ليس منه وبالتالى فكل ما ينشر فى الصحافة جزء من الحياة السياسية لمجتمعاتها كما فى السياسة تكون الصحافة.

وبموضوعية يؤكد «هيكل» لا ينبغى أن نتعسف ونتصور أن المفكر يستطيع أن ينعزل عن القيم السائدة فى زمانه وإذا كان السعر قد حل محل القيمة، فعلينا أن نأخذ هذا فى الحسبان، وما زال السعر يتوحش ويتوحش ويحل محل القيمة إلى حد اندثار القيم وبزوغ الاستهلاك والتسويق والتسطيح والإفك كقيم وحيدة لها كل السطوة.

من إشارات الماضى التى تستشرف الحاضر والمستقبل ما قاله «نهرو»، الزعيم الهندى الذى جمع بين الثقافة والسلطة، فقد استشرف أن السيطرة الجديدة لن تكون بالجيوش ولكن بالتقدم، فالتقدم هو وسيلة السيطرة الجديدة.

من رؤى «نهرو» ما ينطبق على حاضر ومستقبل مصر؛ حيث كان يؤكد أن مستقبل الهند سوف تحدده العلاقة بين أربعين مليوناً فيها يعيشون وبين أربعمائة مليون فيها ينتظرون.

الأربعون مليوناً هم تقريباً حجم الطبقة الوسطى تعلموا وأنتجوا أو ازدهروا والأربعمائة مليون لم يتعلموا ولم يزدهروا وإن كانوا يكدحون وليس مستقبل الهند إلا أحد احتمالين:

إما أن تستطيع عضلات الأربعين مليوناً وأفكارهم وضمائرهم أن ترفع ثقل الأربعمائة مليون أو ينزل ثقل الأربعمائة مليون على الأربعين مليوناً فيكتم أنفاسهم ويكسر ضلوعهم.

ومع اختلاف النسب فنحن فى نفس اللحظة ونواجه «تكون أو لا تكون» ومن «نهرو» أيضاً إشارة على اختيار الحياة أو العدم، فقد قال لشعبه أنتم متقدمون إذاً أنتم سادة، أنتم متخلفون إذاً أنتم مقهورون، وهناك سبيل واحد إلى التنمية وهو العلم..