«كُتَّاب المعلم عياد» فى كنيسة «طهنا الجبل»: المصحف إلى جوار الصليب

كتب: محمد أبوضيف

«كُتَّاب المعلم عياد» فى كنيسة «طهنا الجبل»: المصحف إلى جوار الصليب

«كُتَّاب المعلم عياد» فى كنيسة «طهنا الجبل»: المصحف إلى جوار الصليب

على باب منزله المتواضع، جلس يرمق المارة بنظرات شاخصة، ويتنفس نسمات هواء بعد أن خفت وطأة حرارة الشمس، ومن خلفه تظهر «سبورة سوداء» كتب عليها حروف الهجاء، انتهى للتو من درسه الأخير لصغار القرية، يتوقف المارة ويحيّونه بوقار، ويعرفونه بأنفسهم، يتذكرهم على الفور، يرد عليهم التحية بمثلها، بعضهم يحييه ويرحل، والبعض الآخر يجلس إلى جانبه يشكو له من أزمة تؤرقه، هكذا اعتاد أن يكون قبلة الجميع، فهو صاحب مكانة كبيرة فى نفوس أهل قرية طهنا الجبل القابعة فى محافظة المنيا، كلهم سواء مسلمين أو نصارى، حفظوا على يديه آيات القرآن، وأسفار الكتاب المقدس، كل حسب ديانته.. «المعلم عياد»، هذا لقبه المحبب الذى يحلوا لأهل القرية أن ينادوه به. التقت معه «الوطن» فى قلب فتنة طائفية أطاحت بقريته الأثيرة، سقط خلالها قبطى قتيلاً، ولكن كان هو مصدر تباهى الجميع، ودليلاً دامغاً أن الفتنة ليست أصيلة بينهم: «مسيحى يعلم أهل قريته القرآن الكريم فى كتاب داخل الكنيسة»، قصته كانت مثيرة للرواية، طلب قبل أن يحكيها أن يبدل ملابسه لكى يبدو أكثر هنداماً، لبس جلباباً رمادياً أنيقاً، ووضع على رأسه قبعة تخفى شعره الأشيب، وأخذ يجمع كل ما تبقى من آثار أطفال القرية الذين صاروا كباراً، وضعها أمامه على الطاولة، وأخذ يعددها، هذا أهداه مصحفاً جاء به والده من الحرم المكى، وهذا صليب، وآخر مسبحة، ورغم مرور عشرات السنوات، فما زالت ذاكرته حاضرة، يحفظ تلاميذه من أهل القرية كلاً باسمه وإلى ماذا آل، هذا طبيب، وهذه صيدلانية، وآخر إمام مسجد وخطيب.

{long_qoute_1}

يعود بالذاكرة لأربعينات القرن الماضى؛ كان يعيش الفتى «عياد العريف»، ابن معلم الكنيسة الأثرية بالقرية «مارمينا العجائبى»، أخذ يتعلم داخل المدرسة الحرة داخل الكنيسة، وفى عام 1948 حصل على الابتدائية من مدرسة أقباط المنيا، وتخرج فى قسم اللغة الإنجليزية، وعاد لقريته حتى جاء له التكليف بالتعيين فى مدرسة الروضة بمدينة الروضة وهى شرق نهر النيل: «جه المرحوم أبويا كان نظره على قده مقدرتش أسيبه»، ولذلك رفض أن ينفذ القرار، نصحه والده بأن يكون معلم أهل القرية: «مكانش فيه حد متعلم فى القرية وقتها إلا 3». بدأ «عياد» وقتها فى تعليم صغار أهل البلد من المسيحيين فى كتاب فتحه فى الطابق الثانى من الكنيسة، لقى شهرة واسعة، وبدأ يكون محل ثقة للمسلمين الذين أرسلوا أولادهم إلى كتابه لكى يعلمهم، ويقول بصوت متهدج: «كان عندى المسلمين أكتر من المسيحيين»، ويتقاضى عن الطفل الواحد عشرة قروش: «سواء معاه أو معهوش كنت بعلمه».

لم يكن فى القرية مقرئون ولا حفظة للقرآن الكريم سوى اثنين من العجزة: «كانوا بيقروا فى البيوت وقت الجنائز عشان لقمة العيش»، ويأتى له الطفل بعد المدرسة يشكو له من عدم حفظه لآيات القرآن التى يدرسها فى المدرسة: «خدنا قرآن فى المدرسة ومش حافظينه»، فبدأ عياد فى تعليم الأطفال آيات القرآن سواء المسلمين أو المسيحيين، بغرض الدراسة، وكان يحفظه ليلاً فى منزله لكى يعلمه نهاراً للأطفال فى الكنيسة، حتى حفظ أكثر من ثلثى القرآن الكريم.

يشير بيده المرتجفة إلى مصحف على الطاولة، ويروى بلهجة صعيدية حكايته: «ده كان عندى بنات الشيخ أحمد الجرجاوى»، جاء الجرجاوى للقرية معيّناً إماماً للجامع، وحينما سأل أهل القرية عن مكان يعلم فيه أطفاله القرآن أشاروا إلى «المعلم عياد» أبدى استغرابه فى البداية ولكنه أمام أحاديث أهل القرية انصاع لهم ودفع ببناته لكتاب المعلم عياد: «لما لقانى حفظتهم القرآن ادانى المصحف ده جابهولى هدية من السعودية من مكة المكرمة»، ويستطرد: «المسلمين كانوا بيطمنوا جداً على ولادهم عندى».

لم يكن «عياد» المسيحى الوحيد الذى يحفظ القرآن ولكن والده أيضاً حفظ الكثير من آيات القرآن الكريم، فكان والده على علاقة صداقة وطيدة بشيخ أزهرى يتذكر اسمه الأول بالكاد «الشيخ أحمد»، يصطحبه لمآتم المسلمين لكى يقول كلمة تعزية: «آية من القرآن وسفر من الإنجيل».

{long_qoute_2}

لم يكن يترك «عياد» الأطفال يرحلون من الكتاب إلا بعد أن «يطيب خاطر اللى ضربه»، فالرجل العجوز كان يستخدم الضرب بـ«الفلكة»، ولكنه فى نهاية اليوم يصالحه، وبمجرد أن يسمع الأطفال زغاريد حتى يصروا على الذهاب معه لحضور مراسم الزواج داخل الكنيسة، لذلك وحسب روايته فالجميع يحبه ويقدره سواء مسلم أو مسيحى.

بعدما بلغ من العمر 85 عاماً، ما زال يحفظ أطفال القرية ولكن نقل كتابه لمنزله، يشعر أن جميع من تعلموا على يده هم أولاده، خصوصاً بعد أن ابتلاه ربه بموت جميع أبنائه ولم يبقَ منهم سوى واحد فقط: «كان الواحد ميوصلش لسن سنة ولا اتنين غير لما يموت مبقاش ليا فى الدنيا غير اللى علمتهم وناجح ابنى».

ويقول: إن شكل البلد اختلف تماماً فما كان للمسيحيين إلا 30 بيتاً وللمسلمين مثلها، وكانت القرية فقيرة للغاية: «بس الكل بقا يحبوا بعضهم مسلمين ومسيحيين لكن دلوقتى فيه شيطان بينهم»، فكان الجميع «فى ظهر بعضهم زمان»، ويضيف: «مكانش حد يبات جعان.. أنا حصدت زرعتى وجارى لسه أديله لحد ما يطلع زرعته.. ولكن دلوقتى لهم الله»، ولكنه فى نفس الوقت يصدق نبوءة شيخ رحال زار القرية وقال إنها محفوظة ليوم الدين، مستشهداً بسفر الإصحاح السادس عشر: «إذا أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداءه أيضاً يسالمونه»، ويقول: «إحنا منعرفش القتل، ده شىء جديد علينا وربنا يهدى الجميع».


مواضيع متعلقة