القاهرة لا تخجل

 منى مدكور

منى مدكور

كاتب صحفي

على مدار ثلاثة أيام أقام البورسعيدية حفلات متواصلة للكرامة والرفض المشروع، للعثور على بوصلة محددة لمصيرهم فى عهد «النهضة» التى يدعيها النظام الحاكم، وكأن الأحلام خُلقت لهم لكى تتحقق، عصيان مدنى جعلهم يعلنون أنهم بورسعيدية بكبرياء أكبر وأنهم وطن بأكمله لا محافظة يزورها القاهريون فى رحلتى الشتاء والصيف للتبضع وشراء السجائر والشكولاتة المستوردة ومساحيق التجميل التى اعتادت القاهرة أن تكتسى بها كل مساء. خرج العمال، الموظفون، أصحاب المتاجر والمحلات، تتقدمهم فى شوارع موازية النساء والفتيات، يتلون صلاتهن الخاصة «الداخلية بلطجية» و«يسقط يسقط حكم المرشد»، بعد أن رفضوا أن يُصنع كرسى الرئاسة من «لقمة» أهل مدن القناة ورفضت نساؤهن أن يظلوا فى «عصمة» الذئاب. فيما قررت حتى الآن عاصمة اللقاء الأول للثورة أن تظل على حالة العصيان العاطفى فقط، تعلن عصيانها. عصيان شفوى بلا تظاهر كأنثى تشتهى متعة عابرة لا رغبة فى البقاء، تقبع مستكينة خلف كذبتها الباردة لا ترفع لافتات ضد النظام وحكومته إلا فى انتفاضة جسد محموم متفاجئ بتعرى رجل أو بفتحة قبر جديد على حين غفلة، وكأن الانقلاب الشعبى لا «العسكرى» هو وجبة يجب أن تؤكل باردة جداً، تتذوق كل ما فيها من ألم وعهر وخجل بمتعة سرية فى التعاطى. القاهرة تتحايل حتى الآن على الجوع، تقتات كذبها طعاماً بمذاق المرارة المتنكرة فى قناع الصبر، وتقيم مأدبة يومية للترقب المستتر عبر شاشاتها وكواليس أقلام كُتّابها، فيما يستقبل أطفال بورسعيد والإسماعيلية الجوع بإعلان مواسم للفرح وإن لم يُفطموا بعد! وترتدى نساؤها العصيان ثوباً يليق بها ويتبرأ رجالها من محاولات شرائهم «قطّاعى» بهدايا بابا مرسى المفاجئة فى غير ميعاد ليلة رأس السنة. لماذا لا تخجل القاهرة، لماذا توارى جثامين أبنائها على عجل، بعد أن ماتوا على عجل ودُفنوا على عجل وتلقّى ذووهم وأصدقاؤهم العزاء على عجل مُجبرِ، ثم ينفض الجميع يده من الذكرى العالقة فى يده للموت، يعاودون حياتهم ولا حرج فى صدورهم، لا أنين فى حناجرهم، تكفيهم أناقة بدلاتهم وصورهم المخضبة بالعار فى الجرائد، فيدّعون بطولات لا تدارى عجزاً ولا تعلن توبةً بعد أن تيمموا بدماء الشهداء فى صلاتهم الأخيرة عليهم. لا أتعاطف معها، قد أدرك أن عنفوان تظاهراتها لم يربحها إلا مزيداً من الألم والفقدان، وأن السواعد التى رفعت أكفها عالياً فى الميادين هى ذات السواعد التى وارتها سواعد أخرى تحت التراب وأن من بقى من شبابها سيظلون ثكالى بأحلامهم التى لم تتحقق وثورتهم التى لم تتم. لكن اعذرينا يا مدن القناة، فلربما تأتى علينا «جمعة» يكبر فيها الغضب ويصرخ بلا خجل ويدرك الجميع أننا نريد وطناً نموت لأجله لا وطناً نموت على يديه.