شباب هاجروا والحنين أعادهم: «شايلك فى قلبى يا مصر»

كتب: صفية النجار

شباب هاجروا والحنين أعادهم: «شايلك فى قلبى يا مصر»

شباب هاجروا والحنين أعادهم: «شايلك فى قلبى يا مصر»

ظل السفر خارج الدولة حلماً يراودهم وطموحاً يمنُّون أنفسهم به للخروج من ضيق العيش داخل الوطن إلى رغده خارج حدود بلادهم، إلى أن سنحت لهم الفرصة واستطاعوا أن يسافروا بالفعل، ولكنهم لم يتحملوا فراق بلدهم، وقرروا أن يضعوا حداً لشعور «الغربة» وتركوا وراءهم فرصاً ووظائف ما زالت مجرد حلم لشباب كثيرين غيرهم حتى الآن، قرار اتخذوه بفعل الحنين إلى مصر الذى كان أقوى داخلهم وأكثر تأثيراً من كل ما وصلوا إليه خارج بلادهم.

كان السفر إلى الخارج حلماً طالما راود على السيد أمين، وكان يرى فيه الأمل والطموح، وما إن أنهى دراسته وتم تعيينه مدرساً للغة العربية حتى بدأ يلح فى البحث عن فرصة للسفر إلى أن حدث وسافر بعد سنة من تعيينه للعمل فى السعودية.

{long_qoute_1}

كل ما كان يجول فى ذهنه حينها هو أن يعمل ويثبت كفاءته حتى يستطيع الاستمرار والعيش بالخارج، وأن يأخذ زوجته لتعيش معه أيضاً ويستقرا بعيداً عن مصر، ولكن الحلم الذى تحقق أصبح رابضاً على قلبه، مشاعر متناقضة بدأت تتسلسل إليه يوماً بعد يوم، هو يريد الاستمرار فى الخارج ويسعى لحياة كريمة براتب يكفيه ويكفى أسرته الصغيرة ولكنه يشتاق إلى مصر بكل ما فيها، أسرته وأصدقائه، شوارعها وحواريها، صوت الضجيج على المقاهى، حتى الزحام اكتشف أنه بين الأهل «ونس»، لم يستطع أن يُبعد هذا النداء الخفى فى عقله والذى يسمعه يطالبه بالعودة، واضطر فى النهاية إلى أن يستسلم لمشاعره وأن يترك أحلاماً طالما خطط لها فى مخيلته كلما راودته فكرة السفر للخارج، بل وترك أيضاً عقوداً بمبالغ مالية ضخمة عُرضت عليه للاستمرار فى العمل هناك.

يقول «على»: «زميلى سهّل لى إجراءات السفر، وحصلت على الباسبور، لكن ما قدرتش أقعد هناك غير 8 شهور، وكنت حاسس بضيق شديد جداً وأنا بعيد عن أهلى، صحيح ممكن أكون كسبت فلوس كتير فى فترة قليلة، لكن الفلوس عمرها ما رجّعت لى الإحساس اللى فقدته من أول يوم سبت فيه مصر، فى مصر مرتبى كان يدوب ع القد لكن كنت مرتاح نفسياً».

ويتابع: «حصلت على خمس شهادات تقدير فى تطوير اللغة العربية وكيفية التعامل مع صعوبات التعلم، كلمونى أرجع بعقد جديد ضعف المرتب اللى كنت باخده ورفضت».

{long_qoute_2}

ويضيف: «كنت فاكر إنى هلاقى نفسى هناك، لكن البعد عن البلد والأهل أصعب بكتير، ومحدش بيستقر هناك غير المجبر على كده، ولما رجعت من السعودية حسيت بالفرق وعرفت إن مصر نعمة كبيرة وأفضل مكان للاستقرار والجنيه فيها أفضل من 100 جنيه بره».

ويتفق معه محمد شافع، الشاب الثلاثينى، الذى سافر إلى ثلاث دول عربية سعياً وراء تحقيق أحلامه بحياة أفضل، حيث يرى أن السفر خارج البلاد أفضل مادياً، ولكنه غربة وبعد عن الأهل.

يقول: «اشتغلت فى شركة عالمية فى مصر ليها فروع على مستوى دول العالم، واتعرض علىّ أشتغل فى أحد فروع الشركة بليبيا، وربنا يسر لى الأمر واشتغلت هناك سنة قبل الثورة براتب عالى جداً قدرت أجهز نفسى منه واتجوز».

ويضيف: «بعد ما اتجوزت جات لى فرصة سفر لقطر وحسبتها مادياً وسافرت، وكنت بتعامل باحترام، وباكل أحسن أكل وبلبس أحسن لبس، لكن مهما كانت المميزات الغربة صعبة، وحسيت بيها أكتر لما ربنا رزقنى ببنتى رودينا، وبعد الثورة الشغل فى البلد كان مش مستقر، وكان صعب علىّ أسيب شغلى فى قطر. حصلت على شهادات تقدير من الشركة ومكافآت مالية كبيرة واتكرمت فى أكتر من حفلة وشغلى هناك كان مستقر جداً، عرضوا علىّ أرجع تانى لكن قعدتى فى بلدى ووسط أهلى وجنب أولادى عوضتنى عن أى فلوس».

ويتابع: «بعدها بسنة سافرت السعودية، قعدت هناك فترة قليلة وربنا رزقنى بالمولود التانى أحمد، اتولد وما شفتهوش، بعدها قررت مش هسافر تانى حتى بعد العروض الكتير المغرية اللى جات لى».

أما مارك ميخائيل، 30 سنة، مهندس تخطيط، فسافر مع أسرته إلى أستراليا منذ عشر سنوات، وأتم بها تعليمه الجامعى، واستطاع أن يتقن اللغة الأسترالية رغم صعوبتها، يقول: «بعد أن أنهيت تعليمى الجامعى اشتغلت بشركة BB للبترول وهى تانى أكبر كيان اقتصادى على مستوى العالم، وماكنتش بواجه صعوبة خالص فى التعامل مع الناس بالرغم من صعوبة اللغة، وقدرت أحقق نجاح كبير على المستوى الشخصى والمادى، وامتلكت شقة خاصة بى وقريبة من مقر عملى، وحصلت على الجنسية بعد 7 سنين حققت فيهم نجاح كبير، لكن أنا بحب بلدى جداً وحابب يكون شغلى وحياتى هنا فى مصر».

وبالرغم من النجاح الذى استطاع مارك أن يحققه فإنه قرر أن يعود إلى موطنه الأصلى.

يقول: «قعدت فى أستراليا 9 سنين، وكنت بحلم أسافر بلاد تانية كتير والفّ الدنيا، لكن البعد الجغرافى لأستراليا كان عائق كبير بالنسبة لى، وقررت ارجع مصر، وارتبطت أكتر بأصحابى وحبيت الحياة فيها رغم الصعوبات والاختلاف الكبير بين الدولتين، وكان صعب علىّ جداً أسيب أسرتى فى أستراليا، لكن وجودى وسط أصحابى كان بيخفف عنى كتير».

وبالرغم من أن مارك يؤكد أن هناك اختلافاً كبيراً وفرقاً شاسعاً بين الدولتين من حيث النظام والأمن والصحة والتعليم والعلاقات الإنسانية يقول: «مصر وأستراليا دولتين مختلفين تماماً، ومفيش وجه شبه خالص بينهم، فى أستراليا بيهتموا بالتعليم والصحة والأمن والنظافة، الشوارع فى أستراليا نظيفة جداً لدرجة إنها ممكن تتكنس كل ساعة، والناس منظمين بطبيعتهم ومحدش بيطلب منهم كده، والتعليم الجامعى هناك يعادل رسالة ماجستير أو دكتوراه من مصر، لكن فى مصر الود والعلاقات الإنسانية المتشابكة مش ممكن تكون موجودة فى أى دولة من دول العالم».

من جانبة قال الدكتور محمد أنور حجاب، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس: «أصبح هناك فئة كبيرة من الشباب تتطلع إلى السفر والعمل خارج الحدود، خاصة فى ظل ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب فى البلد، ولكن هذا الأمر أصبح مجرد رغبة من الصعب تلبيتها بسهولة بسبب الأزمات المالية وارتفاع تكاليف السفر». ولفت «حجاب» إلى أن هناك من الشباب المهاجرين نوعاً شديد الإحساس بالغربة والتعلق بالأسرة والوطن وهو فى الغالب قد يكون سافر مضطراً، أما النوع الثانى وهو الذى يعود بعد سنة أو اثنتين فعودته تكون فى الغالب لعدم استقرار ظروف العمل أو لمجرد أن السفر لديهم أشبه بتجربة عاشوها وقرروا إنهاءها والعودة لبلدهم.


مواضيع متعلقة