عادة ما يخشى الحاكم من تجمع الطاقات السلبية للقوى الحيوية الشابة ولقوى الاحتجاج كالمهمشين والفقراء. من هنا نشأت سياسات لتصريف تلك الطاقة الكامنة وإعادة توجيهها أولاً بأول فى مسارات بديلة لتفادى تراكمها وانفجارها.
من أكثر مسارات تصريف الطاقة مثالية مسار «العدو الخارجى» لقدرته على توحيد الشعب وراء الحاكم، وعلى إخراص أى معارضة حيث «لا صوت يعلو على صوت المعركة». واجه الساسة الأمريكيون مشكلة غياب العدو بعد تفكك الاتحاد السوفييتى، فضخموا من خطر الإسلام و«القاعدة»، واعتادت نظم الحكم العربية الديكتاتورية توظيف العدو الإسرائيلى لإعادة توجيه طاقات شعوبها المحتقنة، تماماً كما استخدمت إيران الإسلامية قائمة من الأعداء الخارجيين ضمت أمريكا «الشيطان الأكبر» وإسرائيل وعراق صدام.
أظن أن الحكم الإخوانى فى مصر يعانى أزمة حقيقية، نتيجة افتقاده ميزة وجود «عدو خارجى» مناسب لامتصاص طاقة الغضب الشعبى من آن لآخر؛ فلأسباب تتعلق بصعوبة سيطرته على الأوضاع الداخلية -على خلاف إيران القوية الموحدة بعد ثورتها- يحتاج الحكم الإخوانى لغطاء دولى يسند وجوده القلق فى السلطة، وهو -لسوء الحظ- الشيطان الأمريكى ذاته. فى البداية ظن الإخوان أن بإمكانهم استخدام لعبة الخطاب المزدوج كالمعتاد، ولكن لحظة تهييج الشعب تجاه السفارة الأمريكية اعتراضاً على الفيلم المسىء للرسول كانت لحظة فارقة، حيث كان التحذير الأمريكى واضحاً: لا تلعبوا لعبة تحويل طاقة الغضب الشعبى على حسابنا.
لم يكن متاحاً للإخوان استخدام الحركات الصوفية وطقوسها لتوجيه الطاقة فى مسار روحى وجدانى، نظراً لتوتر العلاقات بين الطرفين ولكون تلك الجماعات أقرب لفلول النظام السابق، أما التيار السلفى فأصبح مستعصياً على التوظيف بعد أن تم تسييسه بسرعة منذ الثورة ليصبح المنافس الأول للإخوان.
كان من المنطقى والمتوقع أن يعتمد الإخوان فى إنجاز المهمة على بعض «الدعاة الجدد» على شاكلة عمرو خالد، ولكن يبدو أن نزول «الفكرة الإسلامية» من حالة التبشير إلى معمعة الواقع السياسى أفقد هؤلاء جاذبيتهم وتأثيرهم السابق، ما اضطر الإخوان أحياناً لاستيراد دعاة من الخارج كان أشهرهم الشيخ العريفى الذى لم تتجاوز قدرته على جذب المصريين أيام وجوده المعدودة فى القاهرة.
لم يعدم الحكم دعاة سلفيين قادرين على تهييج الشارع الإسلامى الباحث عن عدو، وهو ما تطلب شيطنة رموز المعارضة المدنية بعد أن تم تحميلهم المسئولية الكاملة عن تأخر الحكم الإخوانى عن استحقاقات أسلمة الدولة والمجتمع، وكان من الطبيعى أن يتم وصمهم بالعمالة؛ سواء للغرب أو حتى لدولة الإمارات، لتتكامل حلقة التآمر الداخلى الخارجى.
أخيراً يصعب تفسير محاولات الحكومة الإخوانية المستميتة منذ شهور لاستئناف دورى الكرة إلا من منظور البحث السياسى المتلهف عن أى مسار لتصريف الطاقة المجتمعية، وذلك رغم التوتر الأمنى غير المسبوق منذ مذبحة بورسعيد وما تلاها من تطورات درامية. وبدلاً من أن تكون مساراً لتصريف الطاقة، أُضيفت الكرة لأسباب الاختناق الشعبى التى تعددت وتراكمت دون تصريف لفترة طويلة لتصبح مؤهلة للانفجار فى وجه الجميع بين لحظة وأخرى.