للأسف يبدو أننا دخلنا بالفعل سكة سوريا، ليس بالخطأ ولكن كل الدلائل تشير إلى تدبير من الداخل والخارج. أما نقطة البداية فتلك الرصاصات التى استقرت فى جسد العقيد قائد تشكيلات الجيش فى بورسعيد، مصدر الطلقات حتى الآن ما زال مجهولاً، بينما الشائعات القوية تتردد بلا هوادة حول انضمام ميليشيات مدربة إلى صفوف الشرطة والمقصود بالطبع ميليشيات الإخوان، بل إن الإعلامية ريم ماجد فى برنامجها المهم على قناة «أون تى فى» ذكرت أن مدير الأمن الوطنى الآن -مباحث أمن الدولة سابقاً- عضو بجماعة الإخوان المسلمين، كذلك قائد الأمن المركزى، وكلاهما برتبة لواء، قالت ما يتردد وراحت تنادى: «حد يصحح.. حد يرد علينا»، وحتى كتابة هذه السطور لم يصدر أى رد فعل من إدارة الإعلام التى لم يكن اللواء هانى عبداللطيف يترك شاردة أو واردة تخص الداخلية إلا ويبادر فوراً بالرد. فى الوقت نفسه تتصاعد المظاهرات فى محافظات تاريخية مهمة واستراتيجية، يدخل العصيان المدنى المتحضر فى بورسعيد أسبوعه الثالث، الشهداء يتساقطون بغزارة تنفيذاً لسياسة وزير الداخلية الجديدة، التى تتجاوز الآن كل سياسات العنف المعروفة من قبل، قناصة العيون عادوا للظهور، أعداد الشهداء تتزايد، إنه الدم فى بر مصر، والدم لا يجلب إلا الدم، بينما يجرى استدراج الجيش إلى المواجهة وبالتحديد فى بورسعيد، أحد الأهداف الرئيسية الآن للقوى التى تعمل لتفكيك الوطن تلويث الجيش بدماء شعبه. لنعد إلى سكة سوريا، كان المساس بجيشها يبدو ضرباً من اللامعقول، جيش قوى لديه خبرة قتالية عميقة، حارب إسرائيل، وقد وصلت إلى الجبهة السورية ونيران الهجوم الإسرائيلى المضاد لم تهدأ بعد، روح حماسية عارمة، وعندما بدأت الأحداث الحالية كانت مجرد عمليات صغيرة جداً. بدا الأمر وكأن ناموسة صغيرة تحاول أن تؤذى فيلاً ضخماً، غير أن الناموسة راحت تكبر وتكبر والظروف تتعقد إلى أن وصل القتال الشرس إلى قلب دمشق، بينما الدولة السورية تتهاوى، هناك طبيعة النظام وغباؤه ساعدا على تطور الظروف إلى الأسوأ. هنا يختلف الأمر فالهدم يجىء من الداخل، والهدف الرئيسى مؤسسات الدولة خاصة القوية، وبالأخص والأهم الجيش، الجيش المصرى الذى يقف الآن من أقصى الغرب إلى الشرق باعتباره القوة العسكرية الوحيدة التى ما تزال منضبطة وقادرة بعد زوال الجيوش القوية خاصة العراقى والسورى. على الجانب الآخر تبدو أوضاع الشرطة فى مصر مفزعة، هذا الإفراط فى العنف، فى استخدام الخرطوش، فى التسديد المباشر إلى عيون الشباب. مطلوب بيان رسمى يوضح ما يثار حول تداخل ميليشيات الإخوان بالشرطة. فى نفس الوقت يتدهور الأمن فى البلاد، حركة المرور فى العاصمة مضطربة، الداخلية المحترفة تختفى، والداخلية الطائفية تسفر عن ملامحها. هذا خطأ تاريخى قاتل، ولكن إذا كان المخطط الأبعد تفكيك مصر، أول دولة فى التاريخ، وتحويلها إلى ولاية فى دولة الخلافة المستحيلة، فإن كل ما يجرى يبدو منطقياً، لا يثير الأمل إلا هذه المقاومة الأسطورية للشعب المصرى العظيم الذى يقف بمفرده ودون قيادة فى مواجهة القتل المنظم والدمار المخطط، الذى يدفع بالوجود كله إلى السكة السورية.