«موسى والبرادعى» كانا يريدان إصلاح حكم الإخوان ورفضا «إسقاط مرسى» لأنه «منتخب»

كتب: رفعت السعيد

«موسى والبرادعى» كانا يريدان إصلاح حكم الإخوان ورفضا «إسقاط مرسى» لأنه «منتخب»

«موسى والبرادعى» كانا يريدان إصلاح حكم الإخوان ورفضا «إسقاط مرسى» لأنه «منتخب»

إنقاذ من؟

ويأتى بنا الحديث -وهذا ضرورى- إلى جبهة الإنقاذ لتصبح شهادتى صعبة وشائكة ولكن لا بأس فالحقيقة -من وجهة نظرى على الأقل- يجب أن تكتب يوماً ما.

{long_qoute_1}

ويمكننى أن أقول إن الاجتماع الأول للجبهة قبل أن تتسع ساحتها لمساحات أخرى من السياسيين والشباب والنساء.. قد جاء كأمر واقع، فالتجمع والوفد والديمقراطى الاجتماعى والمصريين الأحرار كانوا يتشاورون معاً فيما يجب أن نفعل معاً.. وعندما أصدر محمد مرسى تعديلاته الدستورية التى حسمت تردد الكثيرين جلسنا معاً.. وبدأت الدائرة فى الاتساع؛ عمرو موسى والبرادعى وسامح عاشور ومنى ذو الفقار وشاهندة مقلد ولا بد أن اسماً أو اسمين قد سقطا من الذاكرة، ومع توالى الاجتماعات توالى اتساع دائرة الحضور. وكانت مشاركة حمدين صباحى منذ البداية مثاراً لدهشتى فهو الذى تحالف علناً تحالفاً ممتداً مع الجماعة الإرهابية، وأوفد خمسة من رجال حزب الكرامة، المنتمى إلى شخصه، إلى قوائم «الإسلام هو الحل»، وأسماؤهم معلومة ومنها مسيحى ترشح هو أيضاً تحت راية «الإسلام هو الحل»، ثم تناثر حضور آخرين بعضهم حضر صامتاً وظل صامتاً وبعضهم قليل الأثر وقليل التأثير ومن ثم كان قليل الحيلة. ونعود إلى البدايات فمنذ البداية تبدت منافسة واضحة جداً ومهذبة جداً بين عمرو موسى والبرادعى. كل منهما يريد أن يكون رقم واحد فى الجبهة ربما ليكون رقم واحد فى مستقبل الأحداث، والمثير للدهشة أنهما لم يختلفا كثيراً فى مواقفهما الأساسية فعندما تأزمت الأمور وتعالت المعارضات وتصاعدت حدة الشعارات تحددت مواقف كل منهما وأقول بوضوح وآمل ألا يغضب أى منهما، عمرو موسى كان يقول بحسمه المعهود وصوته المميز وقبضته تصاحب كلماته لتزيدها حسماً ليؤكد أكثر من مرة نحن معارضون ولسنا مناكفين، هذه العبارة رددها عشرات المرات فترسخت فى ذاكرتى ومن ثم تمضى الكلمات الحاسمة نريد إصلاح ما يجرى وليس تخطيئ الشرعية ولا مجال لرفع شعار «إسقاط مرسى» فهو رئيس منتخب، ولم يكن «البرادعى» مختلفاً كثيراً فى موقفه، فكان هو أيضاً يرفض رفع شعار «إسقاط حكم الإخوان»، وإنما يرى أن نمارس ضغطاً منظماً ضده ليصحح مواقفه. وبطبيعة الحال كان يختلف فى بعض المواقف عن عمرو موسى لكن الخلاف كان دبلوماسياً رفيع المستوى، فإذا اختلفا أدلى كل منهما برأيه دون أن يوجهه للآخر وحتى دون أن ينظر إليه وإنما إلى السقف أو إلى الجالسين فى غير اتجاه الآخر، كما كان رد فعل كل منهما مختلفاً، فعمرو موسى عندما يحتدم خلافه مع أحد الجالسين أو حتى غالبيتهم، ينسحب من الاجتماع دون أن نعرف هل خرج ليتحدث تليفونياً أو لشأن آخر ويعود، لكنه لا يعود وإنما يخرج متعمداً أن تتلقفه عشرات الكاميرات الفضائية التى كانت تلاحق اجتماعاتنا فيكون أول من يتكلم وأول من يدلى برأيه هو، فالاجتماع يكون لم يزل لم ينضج شيئاً ومع توالى الاجتماعات توالى ذات الأمر.

أما «البرادعى» فكان أيضاً وبأسلوب آخر يرفض شعار «إسقاط حكم الإخوان»، ليقول بهدوء لا نريد أن نفقد تأييد القوى العالمية لتحركنا فهم يتمسكون بشرعية «مرسى». وفى منحنى الجلسة وعندما نتوقف لفترة راحة كان ينتحى بى ولست أدرى لماذا كان يستعين بى ولست أدرى أيضاً إذا كان يفعلها مع آخرين أم لا، وكان يهمس: «ماكين كلمنى أمس وهو غير راضٍ عن شعار إسقاط حكم شرعى ورئيس منتخب»، ولم أزل أذكر أن عبارة «ماكين اتصل بى أمس»، تكررت مع همسات «البرادعى» وفى أحد الاجتماعات، وأظن كان ذلك عند الهجوم الإخوانى الوحشى على المعتصمين أمام قصر الاتحادية تصاعدت حدة رفع شعار الإسقاط وكان سيد البدوى متحمساً لذلك على غير عادته وتقرر تكليف سامح عاشور بصياغة بيان وترك «سامح» الاجتماع هو وعدد من الحاضرين لصياغة البيان وبعدها يحضر ليعرض مشروع البيان على الاجتماع الذى توقف لحين إعداد الصياغة. كان عمرو موسى قد تسحب كعادته، وكان «البرادعى» متوتراً جداً ثم فجأة اتجه إلىّ قائلاً: «روح شوف بيعملوا إيه وإذا كان فى الصياغة أى إشارة إلى الإسقاط أبلغهم أننى مستقيل من الجبهة». وسألته لماذا يطلب منى أنا وهناك آخرون؟ فقال وهذا صحيح أنت الذى تتكلم بصراحة وتعارض بوضوح أى مختلف معك، والآخرون لا يريدون إغضاب أحد فيكتفون بالصمت، واكتشفت أن هذا صحيح، وأنه يتكرر دوماً، وذهبت إلى حيث تعمل لجنة الصياغة، وكان مشروع البيان قد أنجز تقريباً وكانت به عبارة إسقاط النظام المستبد وتحدثت مع سامح عاشور حول كيفية معالجة تهديد «البرادعى» الذى كان يتبدى جدياً واتفقنا أنه ليس من المصلحة تمزيق الجبهة فى هذا الوقت الصعب، وأمسكت بالنص واقترحت بدلاً من إسقاط النظام المستبد عبارة أخرى تستخدم ذات الكلمات لكنها تحمل معنى مختلفاً تماماً وهى إسقاط استبداد النظام ووافق «سامح» متفهماً صعوبة انسحاب «البرادعى» فى هذا الوقت، أما لجنة الصياغة فيبدو أنها لم تلتفت للفارق، وعدت للبرادعى الذى وافق وسألنى فى دهشة: «جبت الشطارة دى منين؟»، وفى الجلسات الأخيرة كان الصراع مريراً بين عمرو موسى و«البرادعى» حول موقع منسق الجبهة وكان هناك غضب هامس بين قيادات الجبهة لم يعبر الكثيرون عنه علناً كالمعتاد لكى لا يتواجهون مع عمرو موسى بسبب انسحاباته المفاجئة واستباقه للحديث إلى الفضائيات المتجمعة قبل الجميع وحتى قبل أى اتفاق وكان «البرادعى» يلح وتتوزع همساته على آذان عدد من رؤساء الأحزاب: «ماكين يلح على ضرورة اختيار شخص واحد يجرى الاتصال معه باسم الجبهة والفرصة ستضيع إذا لم تنتخبونى منسقاً»، وأنا لم أكن لا معجباً بالتدخل الأمريكى ولا بالاتصالات المتوالية وشبه اليومية التى يقول «البرادعى» إن «ماكين» يجريها معه. ولكن يبدو أن البعض سال لعابه طمعاً فى مساندة أمريكية لإزاحة «مرسى» لأن ذلك سيحسم الأمر. وعلى أية حال انتهز بعض قيادة الجبهة، فالمشاورات الجانبية كانت تجرى معهم وبينهم فقط، فرصة خروج عمرو موسى ليلحق بكاميرات الفضائيات واختير «البرادعى» منسقاً دون معارضة أحد ودون تصويت. والمثير للدهشة أن الكثيرين، ومنهم «البرادعى» و«موسى»، كانوا مغمضى الأعين عن ترتيبات أمريكية أخرى لاختيار أحد السلفيين رئيساً وهو ما سأتحدث عنه لاحقاً. {left_qoute_1}

ونأتى إلى حمدين صباحى الذى كان يأتى دوماً متأخراً ودوماً مبتسماً ابتسامته المصطنعة ودوماً يحشر نفسه ليكون فى صدر المجلس وكثيراً ما كان الاجتماع ينتهى دون أن ينطق مكتفياً بما يقول محمد سامى، رئيس حزب الكرامة، وذات يوم وبعد أن تشكلت لجنة الخمسين لإعداد الدستور والتى أدت بالطبع إلى غياب عمرو موسى وطبعاً بعد إزاحة حكم الإخوان وأصبح حمدين قادراً على التنفس حضر «حمدين» مبكراً وجلس كالمعتاد فى صدر المجلس وطلب الكلمة وكنت رئيس الاجتماع ثم طرح فكرته وتتخلص فى أن جبهة الإنقاذ تضم 15 عضواً من بين الخمسين الذين يشكلون لجنة الدستور وتحدث عن أهمية التنسيق بينهم وهذا اقتراح جيد ثم فجأة قال وعليهم أن يتمسكوا بتمرير المادة فى دستور «مرسى» التى دسها حزب النور والمتعلقة بكيفية تفسير الشريعة وكيفية إعمالها عند وضع القوانين، وقاطعته معترضاً وقائلاً: هذه المادة بالذات هى أسوأ مادة فى أسوأ دستور أسقطه الشعب مع إسقاط حكم الإخوان، فقال محاولاً ترويعى أصل فيه ناس هنا بتهاجم الإخوان دوماً إلى درجة أن الناس فى الشارع بتتصور إننا فى الجبهة ككل ضد الإسلام، فأجبته إجابة صادمة وقاسية لكنه استمر قائلاً ما أفزع الحاضرين وإن كان قد أسال لعاب البعض نحن لا نريد أن نتصادم مع حزب النور صاحب هذه المادة فقد نحتاج للتحالف معه فى الانتخابات المقبلة وهنا انفجرت منى ذو الفقار معترضة بصوت حاد وغاضب، فحاول «حمدين» إخافتها بما يوحى أنها لا علاقة لها بالواقع وقال إحنا بنتكلم عن رأى الناس فى الشارع، فثارت «منى» وهى أكثر غضباً: شارع إيه يا شوارعى؟! وانفتح بركان الرفض، وتحدثت أنا عن تحالفاته مع الإخوان وحضوره اجتماع فيرمونت مع الإخوان ثم حضوره المؤتمر الصحفى لمرشد الإخوان و«مرسى» أمام مقر الإخوان بالمقطم ومرشحيه فى قوائم «الإسلام هو الحل» وتحالف نوابه الدائم مع الإخوان فى برلمانهم، وصمت «حمدين» وتسلل بعدها من الاجتماع وخيّل إلىّ أن «حمدين» قد اكتفى بتسجيل هذا الموقف لعله يستفيد منه فيما بعد.

والمثير للدهشة أن «حمدين» وجماعته يمتلكون قدراً كبيراً وربما غير مفهوم من تحدى المصلحة العامة والرأى العام والتصور أن الشعب بلا ذاكرة.. فرغم كل ما كان من أخطاء وخطايا أعلنت صحف 12 يوليو 2016 سفر «حمدين» إلى بيروت لحضور مؤتمر للتضامن مع حزب الله (الإرهابى). وتجلى ذلك أيضاً فى مواقف سابقة لكثيرين منهم وعلى سبيل المثال كمال أبوعيطة الذى غرق حتى أذنيه، ربما بإيعاز من «حمدين»، فى التحالف مع الجماعة الإرهابية وترشح على قائمتها الانتخابية التى حملته مجللاً بالعار إلى البرلمان الإخوانى ليمارس التحالف المكشوف معهم.. ومع ذلك امتلك شجاعة أن يستخدم حفل تأبين المناضلة التجمعية «شاهندة» ليهاجم التجمع ناسياً أن «التجمع» كان الذى واجه «مرسى» وحكمه وحكومته فى أصعب فترات الصراع، التى مثلت لحظات فارقة فى تاريخ الوطن تحسب فيها المواقف ويحاسب أطرافها كل وفق موقفه، بينما كان هو منغمساً فى التحالف مع أطراف البرلمان الإخوانى.

والحقيقة أن آخرين من أطراف الجبهة كانوا قد ارتكبوا ذات الخطيئة لكنهم لم يمتلكوا ذات القدرة على تجاسر مماثل. وهكذا فحتى الخطيئة أنواع بعضها يتخفى وبعضها يتبجح. ولكى لا يتصور أحد أننى أخص «حمدين» ورجاله، فإننى أسجل على د. سيد البدوى أنه أيضاً مد يده للإخوان.. وحتى بعد الاتفاق بحضور المشير وبعد 32 اجتماعاً استمر كل منها عديداً من الساعات على تشكيل لجنة تختار لجنة متوازنة لوضع الدستور واتفق على 50٪ ليبراليين و50٪ إسلاميين، وقد أعلنت من البداية عدم ثقتى فى تنفيذ ذلك ورفضت حضور المؤتمر الصحفى.. تحالف د. سيد البدوى مع حزب النور ليعمل على إحداث خلل فى النسبة فاعتبر بناء على طلبهم أن حزب الوسط حزب ليبرالى فاختلت النسبة لتصبح 49٪ مقابل 51٪ ورفضنا وانسحبنا وبالنسبة المختلة وضع دستور مختل وغير مقبول ويمكن أن أحسب لسيد البدوى أنه انسحب سريعاً من هذه المناورة ونفد بجلده وجلد حزب الوفد من تحالف مرير المذاق مع حزب النور الذى لا يؤمن جانبه، بينما تورط فى الأمر وإلى نهايته الحزب الديمقراطى الاجتماعى ليتقبل منحة مسمومة تتمثل فى رئاسة إحدى لجان مجلس الشورى كانت ثمناً لتحالف استمر مع حزب النور.

وهكذا يمكننى أن أقول وباطمئنان إن جبهة الإنقاذ لم تكن مجرد أداة لإنقاذ مصر من حكم الجماعة الإرهابية وأداة لحشد جماهيرى معنوى ومادى ضد حكمها وإنما كانت أيضاً بالنسبة للبعض حماماً يتوضأون فيه من خطايا تحالفاتهم مختلفة الدرجات مع الجماعة الإرهابية لكن هذا الحمام لم يمنع من أن تكون جبهة الإنقاذ عاملاً فاعلاً وذكياً ضمن عوامل أخرى فى إنقاذ مصر.

{long_qoute_2}

لكن الحديث عن جبهة الإنقاذ لم يزل يحتاج إلى وقفة تستحق التأمل.

فجبهة الإنقاذ استمرت فى الأداء الفاعل حتى بعد تولى المجلس العسكرى السلطة وتشكيل لجنة الخمسين لوضع الدستور وفض اعتصام رابعة ومواجهة تداعياته الإرهابية. وطبعاً ذهب «البرادعى» إلى القصر الرئاسى ثم غادره وغادر مصر. وذهب عمرو موسى رئيساً للجنة الدستور ولم يعد حضوره لاجتماعات الجبهة ممكناً وتباعد حضور أحد أقطاب الجبهة هو د. عبدالجليل مصطفى الذى انقطع فلم يتواصل حضوره ولم ينقطع نهائياً وظلت لجبهة الإنقاذ أربعة أعمدة: التجمع - الوفد - المصريين الأحرار- الديمقراطى الاجتماعى، وتعززت الاجتماعات باتفاقنا على فتح اجتماعات الجبهة لشباب يمثلون هذه القوى أساساً وقليلين من خارجها وبالتدريج تزايد حضور الشباب ولوحظت لقاءات منفصلة تجمعهم وحدهم وارتفع صوتهم فى الاجتماعات ولم يجد أحد منا أية رغبة فى كبت مواقفهم وانفعالاتهم.. وتواصل ذلك مع عدة اجتماعات حضرها د. أحمد البرعى، الذى أصبح وزيراً ثم نائباً لرئيس الوزراء فى حكومة د. حازم الببلاوى، الذى كان شكلياً محسوباً على الحزب الديمقراطى الاجتماعى وإن كنت أشك أنه قد ظل كذلك لا هو ولا الدكتور البرعى، وفجأة وفى اجتماع للجبهة حضر الدكتور البرعى مبكراً وكذلك مجموعة الشباب التى لوحظ تزايد عددها فقد أصبح الحضور غير محدد، وتحدث واحد منهم كان ينتسب ولو شكلياً للمصريين الأحرار ليعلن قراراً من الشباب بأنهم اختاروا الدكتور أحمد البرعى منسقاً عاماً لجبهة الإنقاذ، فوجئ الجميع ولكننى لم أفاجأ فقد علمت به تفصيلاً قبل بداية الاجتماع بخمس دقائق من ممثل التجمع فى مجموعة الشباب الذى قال إنه فوجئ بأن الشباب ذهبوا دون أن يبلغوه إلى مقر وزارة الشئون حيث اجتمعوا مع د. البرعى وسط مزاعم بأنه أغراهم بوظائف ذات مرتبات عالية ولأن سيد البدوى وأحمد سعيد حضرا ونحن على حافة بدء الاجتماع فقد تهيأ الجميع للبدء وكنت أراوغ انتظاراً لحضورهما وفور حضورهما أعلن «البرعى» وسط دهشة الجميع بدء الاجتماع وامتطى الكلمة دون استئذان ممثل شباب المصريين الأحرار ولم يكن ممثلاً رسمياً فقد كان هناك ممثل آخر أصبح فيما بعد وحتى الآن المتحدث الرسمى للحزب ليعلن هذا القرار وسط دهشة الجميع، ولاحظت حيرة «البدوى» وأحمد سعيد ولاحظت أنهما يشعران بحرج، خاصة أن «البرعى» أبدى موافقة مصحوبة بحماس شديد. مررت ورقة إلى أحمد سعيد وكان بيننا «البرعى»، الذى تصدر المائدة مبكراً وقبل حضور الجميع، وقلت فيها له ولسيد البدوى هذا غير ممكن فكيف سنواجه الناس بجبهة يرأسها أحد أركان الحكومة، وكان ردهما أنهما فى شدة الحرج ويرون القبول ضاراً بوضعية الجبهة، ويرون أن «البرعى» مصمم ولا يريدون التصادم معه، وأعطيانى الحق فى أن أتحدث كما أشاء رافضاً، وبدأت بأن هاجمت الشباب وقلت إننا أحضرناهم للاجتماعات لنمنحهم فرصة التعرف على الأوضاع العامة ولتعلم أسلوب العمل القيادى، وأنهم تجاوزوا حدود ما هو مسموح به لهم، فليس لهم عقد اجتماعات منفصلة وليس لهم الحق فى إصدار قرار باختيار قادة الجبهة ثم وجهت حديثى إلى الدكتور البرعى فى ظل صمت مرتبك من الشباب ووجه ممتقع من الدكتور البرعى الذى كان ولم يزل صديقاً عزيزاً وشخصية محترمة، وسألته يا دكتور ألا ترى أى تناقض بين وضعك فى الحكومة وتوليك موقع المنسق العام للجبهة؟ فأجاب بكلمة لم أزل أذكرها: «مفيش مشكلة»، وسألته وماذا لو اتخذت الجبهة قراراً ينقد الحكومة أو رافض لتصرف من تصرفاتها؟ وأجاب: «مفيش مشكلة». {left_qoute_2}

وخشية من أن تظل «مفيش مشكلة» محلقة فى سماء الاجتماع قلت فى حدة أنا أعتقد أن الأمر غير مقبول وغير ممكن وأقترح الانتقال إلى جدول الأعمال. وصمت الجميع، البعض راضياً والبعض مندهشاً والبعض مرغماً.. وانتقلنا لجدول الأعمال.

وقبل أن أغادر ساحة جبهة الإنقاذ أود أن أشير إلى أنها كانت فى المجمل فعلاً صائباً ومفيداً جداً وكانت منذ بدايتها مصدر إلهام للجماهير التى كانت مترددة وغير مصدقة أن بالإمكان إزاحة كابوس مكتب الإرشاد. وكانت بذاتها وببياناتها أداة تحريك لجماهير واسعة ودعمت فوق ذلك فكرة وإمكانية توحيد القوى الوطنية والديمقراطية بتموجاتها المختلفة فى ساحة نضالية واحدة وكانت بالنسبة لهم جهداً مهماً ومصدراً لتعلم كيف تتماوج المواقف السياسية لتماوجات التركيب الاجتماعى والسياسى، وكانت مصدراً أيضاً لتكوين صداقات ومودة مع عديد الأشخاص مثل أحمد سعيد ومنى ذو الفقار وأسامة الغزالى حرب وسامح عاشور وعصام شيحة ود. أبوالغار وعديد غيرهم لم تزل مودتهم باقية وملهمة.

مسألتان لا يمكن تجاهلهما

وقبل أن أنتقل إلى مرحلة تولى المجلس العسكرى للسلطة المؤقتة تحلق مسألتان فى خاطرى وتلحان بل وتتاخمان فلأسترح من نقلهما.

المسألة الأولى كانت فى يوم الاحتفال الأخير بعيد الشرطة فى عهد مبارك والذى تعمد أن يأتى قبل موعده بعدة أيام كى يتباعد عن موعد الدعوة للاحتشاد وفيما نخرج كان عمر سليمان واقفاً وحوله كالمعتاد عدد من المتحدثين أو المتقربين وأحياناً المنافقين أو ذوى الحاجات. وفيما يتخلص منهم ليسرع خارجاً كنت أمامه صافحنى قائلاً: «رأيك إيه؟» فقلت: «مش مرتاح لما يجرى»، فقال: «هكلمك النهارده»، ولكن وبعد أن ركبت سيارتى التى كانت تأتى كالعادة متأخرة وبعد انصراف المهمين. تلقيت مكالمة من ضابط مخابرات «هو الذى ظل يعمل فى سكرتاريته حتى رحل»، وقال معالى الوزير عايزك تكتب رأيك واقتراحاتك بأقصى سرعة، فقلت يعنى بكرة الصبح مثلاً، فقال لأ بعد نص ساعة على الأكثر، وقلت مش معقول، فقال إجابة غريبة: «اللى مش معقول هو أننا نتأخر»، ووصلت إلى البيت لأجد شخصاً غريباً يقف مع الحرس الخاص بالمنزل وسألت: مين ده؟ فرد هو أنا يا أفندم من المخابرات العامة ومنتظر رسالة من حضرتك تبعتها لمعالى الوزير وصعدت وطلبت من «ليلى» ألا ترد على أية تليفونات، وإذ جلست لأكتب بدأت «ليلى» فى عتاب مفترض: «مش تقلع هدومك الأول؟» وعشرات من «مش» هذه، وقلت لها القصة فأغلقت الباب والتليفونات حتى انتهيت وسلمت المظروف المغلق لمندوب المخابرات.. فماذا كتبت؟ من الصعب أن أتذكر العبارات فقد كنت أكتب بسرعة مرتبكة محاولاً أن أوضح أفكاراً غير واضحة وأن أستدعى حذر الكتابة ومحاذرة الخطأ وأيضاً محاذرة استدعاء رفض الرئيس المسبق لاقتراحاتى، فكنت متعجلاً فى حرص شديد.. وقلت ما معناه الأمور أسوأ مما يصوره المسئولون للرئيس والغضب موجود ومشروع ويجب التعامل معه بحرص وذكاء. وقلت إن الناس بدأت تشعر بخطر شلة تحاصر اتخاذ القرار، هذه الجملة أتذكرها لأنها كانت أهم ما علق عليه عمر سليمان فيما فقال لى «حلوة قوى تحاصر اتخاذ القرار» واقترحت أن يعيد الرئيس تشكيل لجنة السياسات ويأتى بأشخاص من غير ذوى المصالح وأن يقوم بذلك بنفسه، ثم جازفت واقترحت أن يعلن الرئيس أنه لن يترشح لولاية رئاسية جديدة، كما أنه لن يترك الأمر لاختيار المكتب السياسى للحزب وأنه سيفتح باب الترشيح على مصراعيه وأيضاً لاحظ عمر سليمان «على مصراعيه» وتجرى انتخابات رئاسية شفافة تماماً واقترحت أن يعلن الرئيس بنفسه قبل يوم 25 يناير، أى غداً، هذه المقترحات مصحوبة ببعض الصلاحيات وبقرار بتعديل وزارى جذرى وتعيين مسئول محترم من الجماهير كرئيس للهيئة البرلمانية للحزب الوطنى وبعد ما كان فى 25 يناير ومع أول لقاء مع السيد عمر سليمان قال إنه سلم الرسالة إلى الرئيس وأنه دُهش دهشة ممزوجة ببعض الغضب وبعض التفكير ولم يعلق عليها ولم يعدها إلى عمر سليمان وإنما وضعها فى المظروف وتركها على المكتب.

{long_qoute_3}

ولست أدرى حتى الآن هل كانت هذه الملاحظات أو المقترحات مفيدة أم لا، فقد سكبتها تحت ضغط الإلحاح المتعجل.. وربما تحت ضغط مشاعر مضغوطة هى أيضاً.

أما المسألة الثانية فهى كاشفة ومثيرة للدهشة.. ففى الوقت الذى كان «مرسى» ينزلق من مقعد الرئاسة بسبب سوء الأداء وسوء التدبير الإخوانى وفيما كان بعض قادة جبهة الإنقاذ الذين تحدثت عن طموحاتهم المتصارعة ينظرون إلى مرآة ما يجرى متطلعين فى بعض الأحيان نحو أمريكا ويتأملون حبكة الكرافات التى كان يتم التقاطها فى هذه الأيام بعناية وحرص كان الأمريكيون يفتشون عن بديل محتمل آخر لمرسى وهو ما سبق أن أشرت إليه وكان اختيارهم لشخص سلفى من داخل قصر الاتحادية هو د.عماد عبدالغفور، مساعد الرئيس لشئون التواصل المجتمعى، وبدأت عملية هندمة صاحب اللحية وتسلمه أستاذ لعلم البروتوكول فى الجامعة الأمريكية ورغم السرية التامة فقد تسلل الخبر نحوى عبر أستاذ مصرى فى الجامعة الأمريكية وأكد أن الخبر مؤكد وأنه تلقاه من القائم بالتدريب نفسه، وقال إن الأمريكيين كانوا فى عجلة من أمرهم وأن اللحية جرى تهذيبها لتصبح خفيفة ومودرن والبدل أصبحت فى غاية الشياكة وترافقت معها كرافاتات ولم يكن السلفيون يأبهون بها أو يحتملون حبكتها. قال صديقى إن التدريب يمتد إلى أسلوب الحديث والتعاملات الرئاسية وإتيكيت تناول الطعام. وأصبحت بعد هذه المعلومات أتابع فى شغف البعض ممن كانوا قادة فى جبهة الإنقاذ وطموحاتهم الطموحة وصراعاتهم ومناقشاتهم.. وأتابع ما ينقله صديقى باستمرار حول عملية تغيير جلد سلفى ليصبح «رئيس مودرن» وتملأنى مخاوف أحاذر من البوح بها، وأواصل فى نفس الوقت بإصرار المعركة ضد «مرسى»، وإن كنت قد استفدت من هذه المعلومات السرية لأضيف إلى ما نعرفه من شعارات ضد حكم مكتب الإرشاد.. شعارات أخرى ضد التأسلم وضد التيارات السلفية.. وضد أمريكا.

ثم المجلس العسكرى.

وبعد رحيل «مبارك» إلى شرم الشيخ بيوم أو بيومين تلقيت مكالمة لمقابلة مجموعة من أعضاء المجلس العسكرى. فجأة تخيلت أننى سوف ألتقى على الهامش بالصديق الغامض الذى طاردنى فى نادى الجزيرة، لكننى لم أجد له أثراً وحتى الآن، وكلما ذهبت إلى النادى أتطلع هنا وهناك لعلى ألمحه لكنه كما يقولون «فص ملح وداب»، وفى هذا اللقاء الأول شاهدت للمرة الأولى خمسة من أعضاء المجلس لاستقبال حافل وودود والحاضرون كلهم لواءات: العصار ومحمود حجازى وعتمان وممدوح شاهين وعبدالفتاح السيسى، كل منهم قدم نفسه وأعطانى بطاقته بعد أن دون عليها رقم تليفونه ما عدا اللواء السيسى فقد قدم مبتسماً بطاقة ذات لون مميز «بيج غامق قريب من المذهب» وقرأت «لواء. أ. ح عبدالفتاح سعيد السيسى مدير المخابرات الحربية والاستطلاع». ولا عنوان ولا أرقام لتليفونات. {left_qoute_3}

وابتداء فإننى أستأذن القارئ فى أن ثمة معلومات أو ملاحظات لن أسمح لها بأن تتسرب من مخزون ذكرياتى فأنا أحس أن ثمة معلومات أو بالدقة معلومتين لا يجوز تسريبهما وأنا أعتدت أن أحافظ على ما يتم ائتمانى عليه. وأعود لأواصل.

قلت فى البداية أنتم لا تعرفوننى، فقالوا طبعاً نعرفك. وزاد اللواء العصار فقال منذ أن كنت فى الإعدادية كنت أقرأ كتاباتك فى الطليعة، ودهشت فكيف لفتى فى الإعدادية أن يتابع مجلة الطليعة، لكنه ثبت لى بعدها أنه قارئ متسع فى مجالات القراءة والمعرفة، المهم قلت لهم أود أن أقول لكم من البداية إننى سأتحدث بصراحة وإننى لن أجامل وإننى لا أريد شيئاً من حاكم ولم أنل من أى حاكم ولا حتى قليلاً مما أستحق ولم أكن لأقبل غير ذلك. فقال أحدهم نعرف ذلك.

وقلت إذاً اسمحوا لى بأن أوجه لكم لوماً فأنتم تقلدون «عبدالناصر» عندما وصل إلى السلطة مع الضباط الأحرار واسمحوا لى أن أقول No Creativety لا قدرة على الخلق، «عبدالناصر» عندما أتى تحالف مع الإخوان واتخذهم ظهيراً ثم اختلفوا لأن الإخوان فى كل خلافاتهم مع الآخرين ينفذون خطة ثابتة وضعها لهم حسن البنا وهى لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت، والطاغوت عندهم هو أنتم وأنا وكل من لم يبايع على السمع والطاعة فى المنشط والمكره، إزاى؟ قالها أحدهم وأجبت: «عبدالناصر» عندما تحالف مع الإخوان أتى بنائب رئيس مجلس الدولة، المستشار سليمان حافظ، وهو قريب من الإخوان وكلفه بإعداد قوانين ثورية.. وعندما تصادم مع الإخوان كان سليمان حافظ أول من عارض وهاجم وكتب بيانات ضد مجلس قيادة الثورة. وأنتم فعلتم نفس الشىء أيضاً نائب رئيس مجلس الدولة المستشار طارق البشرى، وأيضاً يميل نحو الإخوان وأيضاً كلف بإعداد بيان دستورى وأيضاً ستختلفون مع الإخوان وسيكون أول من يهاجمكم المستشار البشرى ثم أتيتم معه بالأستاذ صبحى صالح، المحامى، وفى مصر 500 ألف محامٍ فهل هى مصادفة أن تختاروا من بينهم واحداً وهو بالمصادفة عضو مكتب إرشاد الجماعة؟. وقلت إن ذلك يوضح اتجاهاً غير محمود ويذكرنى بقول الشاعر:

إذا جئت فابعث طرف عينك نحونا.. لكى يعرفوا أن الهوى حيث تنظر

وتبدى قدر من التململ ومع ذلك استمرت الابتسامات الهادئة وعندما وجهت سؤالاً إلى اللواء محمود حجازى متخيلاً أن الحوار مفتوح للجميع أجابنى أنه اللواء الأقدم وأن العسكريين عندما يتناقشون مع مدنيين فإن الأقدم فى الرتبة لا يبدأ بالحديث حتى لا يلتزم الآخرون بما يقول ولهذا سنبدأ بالأحدث فى الأقدمية.. وهو اللواء عبدالفتاح السيسى.

وتحدث اللواء السيسى بكفاءة وهدوء وبكلمات مدببة ودقيقة التصويب ولست أريد أن أتحدث طويلاً حول ما قال حتى لا يتصور البعض أننى أمتدح من أصبح رئيساً، ثم سألنى: ما رأيك.. كيف نتصرف مع «مبارك» مع ملاحظة أننا نحترم وضعه كأحد قادة الجيش ودوره فى حرب أكتوبر؟ قلت أقترح أن يغادر من شرم إلى السعودية، فتخلى لأول مرة عن هدوء الكلمات المتأنية وقال مش راضى. وبيقول أنا لم أرتكب أى خطأ ولن أترك مصر، وهنا أستأذن فى أن أسأل نفسى وأسأل القارئ كيف تشبث «مبارك» بالبقاء فى عناد يوحى بأن الذمة المالية نظيفة تماماً وانعدام مسئوليته السياسية، أم كان العناد غطاء لما يعرفه «مبارك» ويتصور أنه لن يكتشف؟.

وقال «السيسى» إن قيادة الجيش موحدة تماماً وقد عقدنا اجتماعاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير دون دعوة «مبارك»، ودون إبلاغه لكن «مبارك» علم بالاجتماع وتوجه إلى الوزارة وعلمنا أنه قادم فانفض الاجتماع قبل أن يحضر، هو حضر ولم يفتح الموضوع والمشير استقبله ولم يفتح الموضوع، وعندما انتهى «السيسى» من إيضاحاته واستعراضه لرؤية قيادة الجيش ورؤيتهم لمستقبل البلاد حتى قبل 25 يناير لم يكن هناك مجال لمزيد من قول، فالشرح كان وافياً والفجر كان قد اقترب. وفيما أغادر قال اللواء عتمان هل يمكن أن ترسل لى بعض كتبك عن الإخوان، ثم تلا ذلك مطالبة الجميع، ما عدا «السيسى» الذى لاحظت أن بطاقته ليس عليها أى عنوان أو تليفون، وذهبت الكتب للآخرين. وفى لقاء آخر سألت اللواء عتمان قريت فى الكتب؟ فأجاب بصراحة مريحة لم أجد وقتاً، وأضاف: «اسأل العصار هو اللى بيقرا»، وأنا أشهد أن اللواء العصار أثبت لى فى كثير من الأحيان سعة اطلاعه وتفهمه لدخائل الصراعات الفكرية فى المجتمع المصرى.

ويبقى أن اللواء العصار اتصل بى ظهر اليوم التالى للمقابلة ليبلغنى بهدوء ولطف أن الأخوة لم يشعروا بارتياح لحدة ملاحظاتك واكتفى واكتفيت، ولا أخفى أننى كنت مرتاحاً لحدة وصراحة ما قلت. فقد أحسست أننى أديت واجباً كان واجب الأداء.

وكان هذا اللقاء مجرد مقدمة للقاءات أخرى. مع الفريق

وكان لقائى الثانى مع الفريق سامى عنان، ويختلف سامى عنان عن غيره من قيادات المجلس العسكرى بأنه يرتدى أحياناً إذا ما أراد ملامح وأساليب أبناء البلد، فكان يتوجه إلىّ مثلاً: أهلاً يا بلديات، أخبار المنصورة إيه شفت بيتنا فى المنصورة جرى له إيه اتهد وبنوا عمارة مكانه ثم، فجأة وكأنه يتذكر أنه فريق يعود عسكرى الملامح وعسكرى التشدد. وثمة صفة أخرى أعتقد أنا شخصياً وقد أكون مخطئاً أنه يختلف حولها مع بقية المجلس العسكرى وهى أنه كان أقرب للتفاهم مع الإخوان وربما كان مكلفاً بذلك.

وعلى أية حال كان الاجتماع مع الفريق يضم تكوينة من بعض أحزاب جبهة الإنقاذ وأحزاب صغيرة قديمة وحديثة ولم يكن به أى إخوانى. ومن البداية شعرت أن هذا اجتماع استطلاعى ليتحسس به المجلس اتجاهات الريح. تلفت حولى ولم أشعر بالارتياح.

والهدف المعلن هو مناقشة موضوع هل الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً وكنا فى جبهة الإنقاذ قد اتفقنا على الدستور أولاً حتى يمكن أن نضع الأسس التى ستجرى حولها الانتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية.

وعندما فتح باب النقاش ازداد عدم ارتياحى، فقد فتح رئيس أحد الأحزاب الصغيرة جداً فمه ربما فى محاولة لتملق الفريق.. وقال كلاماً مجاملاً ثم أفلتت منه كلمة «الرئيس المخلوع»، هنا انتفض الفريق وبصوت عالٍ ومتعالٍ: مخلوع إيه يا أستاذ؟ الرئيس تنحى بقرار منه، ولازم تفهم كده كويس. حاول المسكين أن يتراجع فقال: أقصد.. وصدمه الفريق قبل أن ينطق بماذا يقصد، وقال اسكت، فحاول الرجل أن يتأسف، فجاءه أمر حاسم لما أقول أسكت بقى تسكت، وصمت الرجل مهاناً، لم تعجبنى الجلسة وفكرت فى أن أنسحب لكن استدعانى للبقاء أن طلب ممثل حزب الكرامة الكلمة، وكان الأستاذ أمين إسكندر، ومعلوم للكافة أنه كان ضمن خمسة تفاوض بهم ولهم حمدين صباحى ليترشحوا على قائمة «الإسلام هو الحل» وإذا كان من الصعب تقبل مثل هذه الصفقة التى منحتهم مقاعد ذليلة فى برلمان تسيده الإخوان واتخذهم فيه رهائن ليزعم بهم أن الإخوان يتقبلون الآخر بينما الغريب والمريب هو أن هذا الآخر يتقبل الوجود الذليل فى القيود الإخوانية، أقول إذا كان من الصعب تقبل قبول أمثال كمال أبوعيطة وغيره لهذه الصفقة المذلة فإن الأصعب هو تصور أن يكون المسيحى أمين إسكندر نائباً تحت راية «الإسلام هو الحل»، لكن رجال «حمدين» يستمتعون مثله بجسارة تناسى ما لا يمكن نسيانه فيبدون قادرين رغم كل ما يخجل، قادرين على الحديث بصوت عالٍ. المهم أن الفريق كان فيما يبدو يعرف المتحدث جيداً فسمح له بالكلمة وإذا به يبدأ وبصوت عالٍ فى خطبة ناصرية تتلاحق فيها المفردات الناصرية والإلحاح الناصرى لإحياء النزعة القومية وتبدت الخطبة وكأنها بلا نهاية وأيضاً بلا معنى أنها بلا علاقة بموضوع الاجتماع، وقرر الفريق إيقاف هذا الحفل الاستعراضى فأنهاه بدهاء استعراضى هو أيضاً وفى لحظة درامية تشبه لحظات أفلام الكوميديا كان الخطيب فى قمة الانسجام وفجأة قال الفريق هادئاً وحاسماً دقيقة واحدة يا ابنى وما إن توقف الخطيب حتى اتجه الفريق نحوى وكنت أنا أكثر منه قرفاً من الخطبة ومن التجاسر بها وسألنى يا دكتور أنا افتكرت موضوع كنت عايز أسألك عنه ونسيت صحيح انت اتعذبت فى السجن؟ ووسط دهشة الجميع جاء السؤال ووسط دهشتهم أجبت: نعم، وسأل: إزاى؟. وإزاى هذه مليئة بالمواجع الموجعة، وقلت عدة جمل فقط بأمل أن نعود إلى موضوع الاجتماع. لكن الجمل القليلة كانت دشاً بارداً أطفأ جموح الخطيب وعندما عاد إلى الفريق متظاهراً بالأسى أو كان قد شعر بالأسى فعلاً من قليل جداً مما كان فى السجن، وقال بقرف: كمل يا ابنى، لكن الكلمات جميعاً أفلتت من الخطيب واكتفى.

ونعود إلى الاجتماع بأمل أن نناقش لماذا الدستور أولاً، فإذا بنا نفاجأ أو بالدقة نصدم بالدكتور نور فرحات وهو يتطوع باقتراح قلب المائدة فوق رؤوسنا. قال د. نور: هناك فى القواعد الدستورية ما يسمى بالنصوص ما فوق الدستورية وأنا ممكن أوافق على إجراء الانتخابات أولاً بشرط وضع وثيقة فوق دستورية تحدد التوجهات العامة لحماية الديمقراطية وتضع أسس قيام الدولة المدنية.. وتلقف الفريق الماكر الاقتراح وتوجه على الفور للدكتور أسامة الغزالى.. يا دكتور أسامة جهز لنا مشروع هذه الوثيقة وكلمنى بكرة علشان ناخده وندرسه. وبهذا تبدى الاجتماع وقد أجهض نفسه بنفسه فلم يكن من المفترض ولا من المفيد أن أصطدم أنا بالدكتور نور وهو يمثل أحد أضلاع جبهة الإنقاذ الحزب الديمقراطى الاجتماعى، كما أن صمت الآخرين أسكتنى وقلت فى نفسى لنناقش الأمر مجدداً فى جبهة الإنقاذ لكن قطار الانتخابات أولاً كان قد انطلق.

أما د. أسامة فقد حكى لى بعدها أنه حاول عديداً من المرات أن يتصل بالفريق ليبلغه بمشروع الوثيقة ولم يرد عليه لا هو ولا مكتبه. وبما أن الاجتماع قد أصبح بلا مذاق أردت أن أضع عليه بعضاً من الملح فسألت الفريق إيه أخبار قانون دور العبادة الموحد؟ فأشار إلى المشروع الذى سربت نسخ منه، فقلت وأنا أعرف صاحب المشروع، المستشار طارق البشرى، أن الذى أعد هذا المشروع أعده بدهاء، وسأل الفريق إزاى يعنى؟ فقلت لقد أعده بحيث يرفضه المسلمون ويرفضه المسيحيون فيبقى الحال على ما هو عليه، وابتسم الفريق وكأنه يوافقنى، وأنا أكتب هذه الكلمات مساء يوم 18 يوليو 2016 ولم يزل الحال على ما هو عليه والقانون يتأرجح بتلاعبات ماكرة مرفوضة. والحال يتفاقم بأحداث هى الأسوأ فى تاريخ المكون الدينى للمجتمع المصرى، والكنيسة تنطق ربما للمرة الأولى برفض قاطع حاسم لما يجرى، وقداسة البابا تواضروس يكتب فى الكرازة المرقسية يعرضون علينا تورتة مليئة بشظايا زجاج فلا يمكن ابتلاعها وأنا نشرت فى ذات اليوم فى جريدة «الوطن» الحلقة الأولى من سلسلة «4 حلقات» عنوانها «دليل الحيارى فى أحوال ملة النصارى» فتحدث دوياً يعبر عن واقع مفزع.

ويبقى أن أشير إلى أن الفريق عنان كان دائماً يكرر: «سيادة المشير عايز يمشى. إحنا عايزين نمشى، الحمل تقيل وكثيرين فى العالم يحذروننا لا دعم ولا مساندة طالما استمر حكم عسكرى وعلشان كده عايزين انتخابات بسرعة». وذات مرة انتحيت بالفريق وسألته: «كل شوية تقول عايزين نمشى فماذا لو حكموا وزعطوكم؟»، فابتسم قائلاً: «نقطع رقبتهم.. هو لعب عيال؟».


مواضيع متعلقة