مر المجلس العسكرى بتجربة من الفشل والارتباك فى إدارة البلاد، انتهت بـ«جروح كرامة» متبادلة بين الجيش والشعب، نحمد الله أنها تندمل بسرعة هذه الأيام. الإخوان أيضاً مروا خلال شهور قليلة بأسوأ تجربة فى الحكم، عجزوا عن إدارة التوافق السياسى والاقتصاد والأمن وتدهورت شعبيتهم لدرجة لم يكن يحلم بها أشد معارضيهم.
ما يفاقم المعضلة أن بدلاء الإخوان غير جاهزين بدورهم، وأولهم الجيش. قد يغتر الإخوان بقوتهم ويتصورون أن بإمكانهم الاستمرار فى توجيه الضربة تلو الأخرى لاستبعاد قيادات الجيش ورؤوس الدولة المناوئة من فترة لأخرى، كما أن بعض قيادات الجيش قد يظهرون غضبهم تجاه الإخوان من حين لآخر، إلا أن صمود الثوار فى الميادين أنهى شبح الحكم العسكرى للأبد، وعلى الرغم من دعوات البعض لـ«نزول الجيش»، فإن ذلك لا يعنى إطلاقاً قبولاً شعبياً بعودة الجيش للحكم -ولا الجيش راغب فى ذلك- بل يعنى مطالبته بممارسة الضغط على الجماعة لوقف مسار الانفراد بالقرار وأخونة الدولة وضمان أمن سيناء وعرقلة رغبة الإسلاميين فى نزول «لجانهم الشعبية» للشوارع كبديل للأمن ليس أكثر.
أما البديل الثانى، المعارضة المدنية، فلا تزال ضعيفة مفككة، تركب موجات الغضب الشعبى، ولكنها تفتقر لثقة كتلة جماهيرية تمكنها من الحصول على أغلبية مريحة عبر الانتخابات. ثمة بدايات مبشرة لانتشار الأحزاب المدنية؛ خاصة فى أوساط الشباب، ظهرت بشائرها فى نتائج انتخابات طلاب الجامعات، ما قد يفتح الباب أمام احتمال حصول تحالف مدنى واسع -إن تشكل وقرر خوض الانتخابات- على النسبة الأكبر من الأصوات فى الانتخابات القادمة، بتصويت عقابى شعبى للإخوان وللإسلاميين. فى هذه الحالة قد يعانى المصريون مرحلة جديدة من الارتباك أيضاً، فالكتلة المدنية الوحيدة المؤهلة لمثل هذا التحول الدراماتيكى هى تحالف ليبرالى قادر على حشد وجهاء الريف والمدن من أعضاء الحزب الوطنى السابقين غير المُدانين بالفساد ولا مدانين سياسياً، وهو ما يفسر استمرار وجود عمرو موسى وحزب المؤتمر فى جبهة الإنقاذ رغم اعتراضات الشباب الثورى داخلها. هذا التناقض الداخلى هو ما يمكن أن يفجر مثل هذا السيناريو من داخله.
ثمة سيناريو آخر محتمل، حصول تحالف سلفى على النسبة الأكبر من الأصوات، وبالتالى سيكون أمامهم فرصة لتسمية أول رئيس وزراء سلفى فى تاريخ البلاد، والدخول فى مفاوضات شاقة مع الكتلة الإخوانية لتشكيل حكومة ائتلافية، وفى حالة الفشل قد يتجهون للتفاوض مع الكتلة المدنية. ولكن على الرغم مما أبداه حزب النور من مرونة سياسية -خاصة فى مبادرته للتوافق الوطنى التى وأدها الإخوان بسرعة- فإنه يصعب التعويل على ذلك، فهذه المرونة السياسية تتناقض بشكل صارخ مع التشدد الفكرى المعروف عن السلفيين والذى ظهر بوضوح أثناء وضع مواد الدستور، وهو ما يرجح أن تلك المرونة الاستثنائية لم تكن سوى مناورة سياسية لإحراج الإخوان، لا نهجاً أصيلاً لدى التيار السلفى. يعنى هذا الاستنتاج أن سيناريو البديل السلفى هو سيناريو مغلق بدوره.
سواء تعلق الأمر بالجيش أو المعارضة المدنية أو البديل السلفى، يمارس الجميع سياسة الضغط المتواصل على الحكم الإخوانى، بهدف إجباره على الاعتراف بقوتهم على الأرض والتراجع عن سياسة التجاهل والانفراد بالقرار والانصياع لنهج المشاركة لا المغالبة والامتثال للمطالبات بقانون انتخابات عادل، خاصة فيما يتعلق بتنقية قاعدة الناخبين وتقسيم الدوائر بشكل غير متحيز وإشراف قضائى فى ظل حكومة محايدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام بديل سياسى مركب، يحظى بفرص أكبر للخروج بمصر إلى بر الأمان.