أنت.. وسيارات محمد رمضان الثمانى

جاءنى مستبشراً مبتهجاً، كأنما قد اكتشف طريقه إلى النجاح والسعادة فجأة، ليخبرنى أنه قرّر التقدُّم إلى أكاديمية الفنون لتعلم التمثيل، رغم أنه إعلامى ناجح ومحترم بشهادة معظم من عملوا معه.

سألته باستغراب: لماذا تغيّر مسارك المهنى فجأة؟ هل تضحى بالتراكم الذى حققته خلال نحو عقد من العمل المثمر، وتبدأ طريقاً جديداً؟ هل لديك القدرات أو الموهبة اللازمة لكى تخطو بثبات ونجاح فى هذا المجال الصعب الجديد تماماً عليك؟ هل قرأت ما يكفى عن السينما والمسرح والتمثيل؟ هل لديك قاعدة معرفية تتعلق بالفنون عموماً؟ هل اختبرت قدراتك من قبل فى أى محفل معتبَر؟ هل تحضر بانتظام فعاليات فنية مؤثرة؟ هل تشاهد الأفلام المميزة والمهمة؟ هل تمتلك رؤية مهنية وفنية تؤهلك لخوض غمار تلك التجربة الجديدة؟

كانت تلك هى الأسئلة التى أمطرته بها، والتى تصورت أنها ستفتح نقاشاً موضوعياً بيننا، يمكن من خلاله أن يتمكن أحدنا من إقناع الآخر بصواب وجهة نظره، لكنه لم يرغب أبداً فى ذلك، واختار طريقة سهلة للغاية، لكى يحسم المناقشة لصالحه.

أجاب هذا الشاب، الذى يقترب من إتمام العقد الثالث من عمره، عن تلك الأسئلة المتلاحقة، بعبارة بسيطة، لكنها موحية؛ إذ قال: «وهل فعل محمد رمضان كل ذلك؟!».

كان الممثل الشاب محمد رمضان قد ظهر فى برنامج تليفزيونى الأسبوع الفائت على إحدى القنوات، فى لقاء شاهده كثيرون، كما ظهر من عدد الإعلانات التى تضمّنها، ومن أنماط التفاعل الإعلامى معه عبر الوسائط التقليدية والجديدة.

لقد شاهدت أنا أيضاً هذا اللقاء، وعرفت أن أحد أهم أسباب رواجه واهتمام الجمهور به يتعلق بكشف هذا النجم الشاب عن أنه يمتلك ثمانى سيارات؛ بينها سيارات فارهة من طرازات فاخرة؛ مثل «الرولزرويس»، و«لامبرجينى»، و«كرايزلر».

أمر يدعو فعلاً إلى الاندهاش، أن يمتلك شاب من أصول بسيطة ثروة تمكنه من اقتناء تلك السيارات الثمانى، وهو فى الثامنة والعشرين من عمره، لدرجة أن المذيعة، التى استضافته فى برنامجها، والتى استضافها فى سيارته «الرولزرويس»، بدت مصدومة ومندهشة، حتى إنها طالبته بالكف عن البوح بدقائق حالته المالية وأجره وممتلكاته «اتقاءً للحسد».

تقول المذيعة إنها عرضت على الممثل الشاب أن يتم تسجيل جزء من اللقاء فى أحد مقاهى المهندسين أو الزمالك، لكنه أبى، وفضّل أن يكون هذا اللقاء على مقهى فى حى الحسين، وقد أظهرت الصور المصاحبة بالفعل، أن النجم «المحبوب» تلقى اهتماماً جماهيرياً بالغاً، هو وسيارته «الرولزرويس» التى حرص على أن يدخل بها إلى باحة المسجد الشهير.

وفيما كان «رمضان» ومضيفته يتناولان حلوى «الأرز بالحليب» الشهيرة، اصطف إلى جانبهما عدد من «عشاق النجم ومعجبيه»، حيث أتذكر أن أحدهم كان عامل أحذية، والآخر كان طالباً فى «الخدمة الاجتماعية»، وأن معظمهم تحدّث بلهجة ريفية.

سألت المذيعة المعجبين بمحمد رمضان عن أسباب إعجابهم به، وقد رشّح فى الإجابات ما يفيد بأنهم منفعلون بقدرته على تحقيق هذا النجاح وجنى هذا المال واقتناء تلك السيارات، عبر رحلته الفنية «العصامية».

وعندما طلبت إليهم أن يتذكروا شيئاً مما قدّمه، راحوا جميعاً يعيدون عبارات قالها فى أعمال تجارية، اتسمت بالسطحية والابتذال فى المعنى والتعبير.

لكن المذيعة، وأياً منهم، لم توضح الأسباب التى جعلت هذا الممثل يحظى بهذا العدد من السيارات، ومعها أعلى أجر، وأعلى إيرادات فى شباك التذاكر.

محمد رمضان ذكى، لأنه لا يستجيب لنصيحة المذيعة ويحجب عن الناس صورته مع «اللامبرجينى»، ومع «العجلين اللذين ذبحهما فى صبيحة الأضحى الفائت»، ولا يتوقف عن تأكيد أنه يُحقّق أعلى إيراد، ويحظى بأعلى أجر، بل يُشدّد ويوضح قائلاً: «الأجر يعكس المكانة».

محمد رمضان ذكى، لأنه يعرف أنه لا يبيع «فناً»، ولا قدرة وموهبة، كتلك التى توافر عليها أحمد زكى، لكنه يبيع «نموذجاً يحظى بأعلى طلب» فى الوقت الراهن.

وكما حقّق «رجب فوق صفيح ساخن» اختراقاً فى نهاية سبعينات انفتاحية مضطربة، و«إسماعيلية رايح جاى» نجاحاً فى فورة التطلع لـ«الاستاكوزا والموبايل والحتة الكوبيه»، و«لمبى» العشوائيات والاضطراب الذهنى، مكانة فى فترة «ضياع المعانى وتهافت العقل العام»، و«آه لو لعبت يا زهر» ضجة فى عصر التعويل على ضربات الحظ وليس العمل والجهد، فإن «البلطجى، الخارج عن القانون، الذى يُحقّق الثراء السريع الفاحش» سيجنى أعلى رواج الآن.. فى عصر «انسحاق القيمة».

قلت للشاب الذى قرّر فجأة أن يترك مهنته ويتعلم التمثيل حتى يتخلص من سيارته «الفيرنا» ويشترى «رولزرويس»، متكئاً على فكرة أن «محمد رمضان حقّق ذلك، فلماذا لا أُحققه أنا أيضاً»، سؤال أربكه: «إذا كانت الحياة معركة.. فما تعريفك للنصر فى تلك المعركة؟».

فأجاب بعد تردُّد طويل: «الفلوس.. الفلوس كل شىء».

سألته: «هل تعتقد أن تلك هى إجابة محمد رمضان أيضاً؟». فأجاب بسرعة شديدة: «أكيد طبعاً».

من جانبى، سأجازف، وأجيب إجابة مختلفة عن هذا السؤال.

لا يشعر محمد رمضان، وفق اعتقادى المبنى على تحليلى لخطابه أثناء هذا اللقاء المشار إليه، وعدد من الصور واللقاءات الخاصة به، بأنه حقّق النصر الذى يريده فى معركة الحياة.

لا يؤكد «رمضان» أنه «الأعلى أجراً»، و«الأعلى إيراداً» وعبارة أن «الأجر يُعبّر عن المكانة» لنا، بل هو يحاول أن يؤكد هذا لنفسه، وكما يبدو لى فإنه غير مقتنع.

يُذكرنى هذا بمطربة تريد أن تكون فى أنوثة هيفاء وهبى، وجمال نانسى عجرم، وثراء أحلام، وموهبة أم كلثوم، أو بممثل يريد أن يكون ثرياً كمحمد رمضان، وموهوباً كأحمد زكى، ومؤثراً كيحيى الفخرانى، ووسيماً كرشدى أباظة، دون أن يلاحظ أىٌّ منهما أن أحداً من أصحاب تلك الأسماء لم يجمع كل تلك المزايا فى نفسه.

بسبب الحالة المجتمعية السائدة، يعيد الشباب ترتيب أولويات القيم، ومع هذا الترتيب تتغيّر الخيارات، وينشأ طلب جديد على أنماط سلوك معينة، أو أنواع فنون محدّدة، أو وظائف وأهداف وأساليب حياة.

وفى تلك الظروف الصعبة التى نعيشها، يبدو أن الصعود السريع غير المدروس وغير المستقر على أسس، وما يستتبعه من حصد الرواج والمال، الذى ينعكس فى أنماط إنفاق سفيهة ومبتذلة، ويظهر فى أساليب مباهاة وزهو فارغة، بات هدفاً لقطاعات من الشباب.

الرواج لا يعكس القيمة، وإن كان فى وسعه أن يصبح قيمة، والأجر لا يُحدّد المكانة، لكنه يُحدّد الدرجة التى تتوازَن فيها مطالبك المالية مع حجم الطلب عليك، والإيرادات لا تُعبّر عن مستوى الموهبة والتمكن والإتقان، لكنها تعكس حالة التلقى السائدة، فى سياقها المجتمعى الحاكم.

والشاهد أننى وجدت هذا الفتى الثرى ذا السيارات الثمانى بائساً مضطرباً، يريد أن يقول إنه يمتلك شيئاً لم يمتلكه بعد.. وأنا أشفق عليه.. وعلينا أيضاً.