كنت فى فرنسا، وتحديداً فى مدينة «كان» الشهيرة، وقت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. كان العالم كله حاضراً فى مهرجان «كان» السينمائى الشهير. الرئيس الفرنسى الجديد (الاشتراكى) الذى فاز فى الانتخابات التى أجريت مؤخراً فى فرنسا أدى يوم وصولى إلى «كان» اليمين الدستورية فى قصر الإليزيه قبل أن يبدأ فى ممارسة منصبه رسمياً.
كانت فرنسا تحتفل بسقوط الرئيس ساركوزى ضحية اعتدائه الفظ على حقوق أصحاب المعاشات وحقهم فى التقاعد المبكر والتمتع براتب تقاعدى كامل، وضحية لسياسة النفاق السياسى التى اتبعها فى تعامله مع القذافى، بعد أن أيده ودعم نظامه، ثم انقلب عليه بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان الليبى فى الحرية.
كانت فرنسا تتغير من السياسة المحافظة إلى السياسة التقدمية، دون أى «تقلصات» معوية أو معدية، ودون قضايا وطعون واحتجاجات و«مليونيات» وحرائق واعتداءات وتهديدات بـ«ثورة ثانية» فاشية ضد هذا أو ذاك.
وعندما كنت أدير جهاز التليفزيون لمتابعة ما تبثه قنوات التليفزيون المصرى، كنت أفاجأ بما يجعلنى أموت من الضحك على «خيبتنا».. فقد كان كثير من المعلقين السياسيين وغيرهم، يدلون بدلوهم بعد انتهاء التصويت، وكانوا يرددون جميعاً كيف أن الثورة «تحققت فقط فى هذا اليوم»، أو أنها «اكتملت» بعد ذلك التصويت الذى «أذهل العالم»، أو جعل العالم كله «يحسدنا» على ما أصبحنا نتمتع به من «ديمقراطية» وتحضر!
كنت أحدق فى المتحدثين بدهشة محاولاً التحقق من أنهم أناس حقيقيون وليسوا مجرد ممثلين تم استئجارهم للدعاية المجانية لنظام سياسى يقاوم السقوط بشدة ومعه معارضته الرشيدة جداً!
وكانت فكرة أن «العالم يحسدنا» من أكثر الأفكار مثاراً للضحك والسخرية والتندر، فما هذا العشق لتدليل الذات وخداع النفس؟ لماذا يحسدنا العالم؟ هل لأننا حققنا ما تأخرنا عن تحقيقه (نتيجة خيبتنا) لعقود من الزمان، أم يرثى لنا لأننا أجرينا انتخابات جاءت نتيجة جولتها الأولى إعادة إنتاج للنظام القديم المحافظ، والمعارضة المحافظة العتيقة التى تريد إعادة مصر إلى ما قبل العصر الحجرى الأول!
هل العالم يحسدنا لأننا نجحنا فى الوقوف على طريق إرساء الأسس العصرية لدولة مدنية تعلى من قيم العدالة والحرية وسيادة القانون، أم يشفق علينا لأننا نشهد حالياً الإعلان الرسمى عن انهيار مشروع دولة محمد على؟
هل العالم يحسدنا لأننا تمكنا من الاتفاق على دستور عصرى يؤسس لدولة ديمقراطية، أم يشفق علينا بعد أن انقسمنا على أنفسنا وانشغلنا بقضايا خطيرة من نوع جماع الوداع ووجوب زواج الإخوان من الإخونيات دون غيرهن!
أعتقد المشكلة لا تكمن فى أننا لا نريد أن نرى العالم على حقيقته ولا أن نعرف ما يدور فيه، بل أغلب الظن أن المشكلة تكمن فى «عين الحسود»!