لجنة «محلب».. أهداف سلبية فى مرمى «حق الشعب»

ربما لا يعرف المهندس إبراهيم محلب، رئيس اللجنة التى تحمل اسم «استرداد أراضى الدولة»، ولها صندوق يحمل اسم «حق الشعب»، أن اللجنة تحرز أهدافاً سلبية فى مرمى الشعب، لأن ما باعته المزادات الثلاثة للجنة بحلقاتها المتعددة، لم يحقق سوى تحصيل 5% فقط من قيمة الأراضى التى بيعت فعلاً بـ403 ملايين و261 ألفاً و517 جنيهاً، على الورق فقط، ولم يتم تحصيل مبالغ منها سوى 20 مليوناً، و163 ألفاً و75 جنيهاً، بالإضافة إلى 2% نسبة «الدلالة».

المهندس محلب يحب العمل وإحراز الأهداف الإيجابية فى مرمى الظروف الصعبة، لكنه قد لا يدرى أن لجنته بإمكانها أن تجمع مليارات مشفوعة برضاء الناس وسعادتهم، بدلاً من هذه الملايين المدموغة بسخط شعبى وحنق وإحساس بالمرارة فى الحلوق، تضعف الإحساس بالمواطنة.

اللجنة لم تقترب حتى الآن من الأراضى المنهوبة حقاً، ولا من الناهبين «الحيتان» الذين يصدّرون للدولة والشعب، أنهم فوق القانون، وأعتى من أى قوة.

الصرخات تتعالى ضد اسم صندوق «حق الشعب»، كونه لا يليق بكثير من رجال مصر، فلاحين، ومزارعين، ومستثمرين جادين، لكنه -أى الاسم- يصلح لحفنة ضئيلة من تجار الأراضى و«المسقعين»، الذين لم تطلهم أيادى العدالة حتى الآن، ولم تمسهم لجنته، بما يعيد للشعب حقه المغتصب، لكن تجنبتهم بمحبة، وغضت الطرف عنهم بلين.

- المزاد الأول الذى تمخضت عنه اجتماعات لجنة «استرداد أراضى الدولة»، حقق مبيعات لأراض صحراوية فى وادى النطرون وشرق مدينة السادات، بنحو 164 مليوناً و517 ألف جنيه.

- المزاد الثانى الذى كان مخصصاً لبيع أرض «المراشدة» فى محافظة المنيا، لم يحقق سوى 46 مليوناً و580 ألف جنيه ثمناً لـ4 قطع من إجمالى 16 قطعة، حيث اعترض الحضور على السعر المرتفع، وكبر المساحات، فوعدت اللجنة بالتقسيم إلى مساحات صغيرة، تضمن دخول أكبر عدد من المشترين، فى مزادات أخرى مقبلة.

- أما المزاد الثالث، فحقق فى أيامه الأربعة 192 مليون جنيه عن بيع 29 قطعة فى وادى النطرون من إجمالى 103 قطع وصفوها بأنها «مستردة»، ليتم الإعلان عن استئناف المزادات لبيع باقى القطع فى موعد لاحق.

عدد ممن فازوا بأراض فى المزادات الثلاثة، وصلتهم معلومات مؤكدة من الفائزين فى المزاد الأول فى وادى النطرون وشرق مدينة السادات، أنهم ذهبوا عدة مرات إلى هيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية لسداد باقى القسط الأول، أى إكمال المبلغ من 5% إلى 25%، فأخطرهم موظفوها بأنه ليس لديهم ما يعطيهم الحق فى تحصيل أى أموال، وذلك لعدم وصول خطاب اعتماد التحصيل من لجنة «استرداد أراضى الدولة»، وذلك حتى تاريخ كتابة المقال.

مما سبق، يتضح أن لجنة المهندس محلب اختارت النحت فى الصخور، بدلاً من البذر فى الأرض الخصبة المحروثة سلفاً، التى تم تجهيزها للزراعة والإنتاج، وقوامها حوالى ثلاثة ملايين فدان، منها مليونا فدان يمكن أن تدر على الدولة، فى مدة لا تزيد كثيراً على فترة اجتماعات اللجنة ومزاداتها، 40 مليار جنيه، إذا نفذت الدولة قوانين سابقة أجازت وضع اليد على الأراضى الصحراوية بهدف الزراعة والتعمير.

- المليونا فدان منزرعة حالياً، وكانت ولا تزال شريكاً رئيسياً فى سد الفجوة الغذائية لمصر، ومساهماً فى حصيلة مصر من تصدير الفواكه والخضراوات، منذ فترة تتراوح بين 3 و15عاماً، وهى أراضى وضع يد، سدد أصحابها رسوماً لهيئة مشروعات التعمير، منذ أن وضعوا أياديهم عليها بقوانين رسمية صادرة عن الدولة، وأنفقوا على زراعتها الكثير من المال والعمر، حتى أصبحت مثمرة، وحالت عقبات كثيرة على رأسها الفساد الرهيب، دون إنفاذ قوانين تملكها.

هؤلاء الآن رهن الإشارة بقانون صريح، يضمن لهم الحصول على عقد الأرض «حق الشعب الأصلى»، مقابل سداد ما تراه لجنة خبيرة وماهرة فى تسعير الأراضى، بثمن عادل، ليس بالسعر السائد وقت وضع اليد على الأرض كغيرهم (50 جنيهاً للفدان)، بل 20 ألف جنيه، مراعاة للتضخم، على الرغم من أنهم هم الذين غيروا وجه الأرض وباطنها، دون أدنى مساهمة من الدولة.

- النوعية الثانية من الأراضى المتاحة تبلغ مساحتها نحو 900 ألف فدان، بيعت من المحافظات فى النصف الثانى من تسعينات القرن الماضى، ضمن أكثر من مليون فدان، بعقود استصلاح، وتتضمن عقود البيع بنداً يقضى بسحب الأرض إذا لم تُزرع خلال فترة زمنية محددة، ولا تزال 90% منها حتى الآن دون زراعة.

إن من اشترى أرضاً مخصصة للاستصلاح الزراعى، ولم يزرعها بعد مرور نحو 20 عاماً على امتلاك عقدها، يجب أن يعاقب بسحب الأرض منه، بعد إنذاره مهلة أخيرة لمدة عام، مثلما يحدث فى الأراضى المباعة لغرض الإسكان فى المجتمعات العمرانية الجديدة، لكن من وضع يده على الأرض بقانون، فاستصلحها بماله وعرقه، واقترض من أجلها مئات الملايين، وأقام البنى التحتية وعمّر القرى المجاورة لها، يجب أن يكافأ بعقد امتلاكها، مع تكليفه من الدولة بتكرار تجربته فى مناطق الـ1.5 مليون فدان، لفتح فرص تشغيل عمالة، وفتح باب تصدير للحاصلات الزراعية المصرية، وفى مصر نماذج عديدة تستحق هذا التقدير، وتسعد بهذا التكليف.

هذه الاقتراحات حال تنفيذها تضيف لميزانية الدولة «طوعاً لا كرهاً» ما لا يقل عن 40 مليار جنيه، وتضخ دماء جديدة فى شرايين قطاع عريض من الشعب، كما ستفتح المجال لتشغيل المزيد من العمالة، وتعيد الروح من جديد إلى قطاع مستلزمات الزراعة، الذى كاد يتجمد منذ أكثر من خمسة أعوام، لتتجمد على هامشه عشرات الأنشطة الصناعية القائمة على الاستصلاح والزراعة.

حلول المشاكل الآنية لمصر مرهونة بالإنتاج وليس بالاقتراض أو الجباية، مع تفعيل قوانين الاستثمار أمام المستثمر المحلى قبل الأجنبى، فالمستثمر الحق هو المحرك الأساسى لعجلة التنمية فى البلاد.