انتهت أمس الأول حياة د.محمد سعيد البوطى، رئيس قسم العقائد بكلية الشريعة بجامعة دمشق، ومثلما أثار الرجل الجدل فى حياته فقد أثاره فى مماته.
ورغم غزارة علمه، وعطائه المستمر حتى بلوغه الرابعة والثمانين، فإن نقطة ضعفه الأساسية كانت فى تنزيل ما يفهمه على أرض الواقع، فالواقع يعنى الاحتكاك بالسياسة، وهو مجال لم يرغب فى الخوض فيه.
وحين قامت الثورة السورية انتقد البوطى المظاهرات والاحتجاجات، داعياً المحتجين إلى «عدم الانقياد وراء الدعوات المجهولة المصدر التى تحاول استغلال المساجد لإثارة الفتن والفوضى»، واعتبر أن التظاهرات تحولت إلى أخطر أنواع المحرمات، وبرر ذلك بقوله: «تأملت فى معظمهم ووجدت أنهم لا يعرفون شيئاً اسمه صلاة، والقسم الأكبر لم يعرف جبينه السجود أبداً».
وحين وُجهت اتهامات لبشار الأسد بمنع العسكريين من الصلاة فى الجيش، حمّل البوطى مسئولية ذلك «إن حدث» لتصرفات فردية من الضباط، وقال إنه تم توجيه من قِبل ولى الأمر بأن لا يُمنع أحد من الصلاة فى المعسكرات فرادى، خارج ساعات العمل. أى أنه أجاز أن لا يصلى الجنود فى جماعة، ولا فى وقت العمل، فماذا لو كانت نوبة العمل تشمل أوقات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، هل يؤخر الجندى كل هذه الصلوات؟
والغريب أن البوطى أيد الثورة الليبية؛ لأن القذافى طالب بحذف كلمة من القرآن، لكنه لم يتخذ موقفاً مماثلاً ممن كانوا يدعون المتظاهرين للسجود لصورة بشار، أو يجبرون المعتقلين على القول بأن بشار إلهنا وربنا، ولم يستنكر فعلة رجال الأمن، بل حمَّل الثوار المسئولية قائلاً إن ذلك يحدث بسبب خروج هذا الشخص مع المسيرات إلى الشارع والهتاف بإسقاط النظام وسبّ رئيسه والدعوة إلى رحيله.
كما أجاز شرعية حكم بشار، المنتمى لطائفة النصيريين، ما لم يتورط فى «كفر بواح». فإن لم يتورط فيه فلا ضير فى انتمائه إلى مذهب ما من المذاهب التى «يعلن أصحابها» أنهم مسلمون.
وحين استفتاه مجند فى الجيش أطلق النار على المتظاهرين، ولا يدرى مَن قتل ومَن جرح، قال له البوطى: هوّن الأمر على نفسك، فإن ربك عز وجل أرحم مما تتصور. فإذا كنت لم تتأكد أن فى الناس مَن قد قُتل بسببك، إذن فالشرع لا يجرمك ولا يحملك جريرة القتل؛ لأن الأصل براءة الذمة.. أما إن تأكدت أن فى المصابين من قُتل، فالمطلوب إعطاء الدية لأولياء المقتول، ونظراً إلى أنك لا تعرفهم، فالمطلوب منك أن تعاهد الله إذا ظهر الشخص الذى قتلته وعرفته فستعطى ورثته الدية التى يطلبونها، ثم تصوم شهرين متتابعين! وكيف للجندى أن يتحقق بالتأكيد أنه هو وليس باقى زملائه مَن قتل؟ كما أن الفتوى لم تتطرق لتحريم إطلاق النار على المتظاهرين.
وحين عوتب فى تحامله على المتظاهرين قال: تُرى لو استجاب هؤلاء الذين تأسف لاعتداء الأمن عليهم لأمر رسول الله القائل: «عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة» أفكان رجال الأمن يجدون أمامهم مَن يعتدون عليهم؟
قُتل البوطى فى تفجير استهدف المسجد الذى كان يلقى فيه دروسه، وتبادلت الأطراف توجيه تهمة القتل للنظام ولبعض العناصر المتشددة، وبينما يرى مناصروه أنه شهيد مات فى محراب العلم، يرى آخرون فى حالته نموذجاً لسوء الخاتمة.