أدهشنى أن يختار الشاعر شعبان يوسف «المحبة» عنواناً للقاء مفتوح معى فى ورشة الزيتون، الأسبوع الماضى، شارك فيه العديد من الأصدقاء والزملاء، والعديد ممن لا أعرفهم ولا يعرفوننى.. خفت من ذلك الحس الرومانتيكى، وتلك الهجمة العاطفية الخطرة..
قلت لنفسى: هل ثمة وقت لتبادل العبارات العاطفية، والمشاعر الفياضة؟ هل يمكن أن نتبادل الورود والمودات الصغيرة، وسط كل هذا الكم من الكوارث، والكآبات التى تحاصرنا فى تفاصيل أيامنا؟ ربما رددت أيضاً عبارة بريخت (إنها لجريمة أن نتحدث عن الأزهار الجميلة، حين يكون هناك بشر يقتلون)..
هل المحبة فعل مجانى، فعل زائد فى أوقات الشدة؟ هل هى حقاً ترف الأيام الهنية، الأيام الخالية من المشاكل والهموم؟ أم هى ضرورة فى كل الأوقات، مرادفة للحياة ولإنسانيتنا؟
المحبة ليست جملة عاطفية، ولا مجرد مشاعر انفعالية، ولا رواية شرقية، كما قال نزار قبانى، بختامها يتزوج الأبطال (لكنها الإبحار دون سفينة، وشعورنا أن الوصول محال، هو أن تظل على الأصابع رعشة، وعلى الشفاة المطبقات سؤال).. نعم الحب اكتشاف وسؤال، الحب انحياز واختيار وموقف، طاقة إيجابية فاعلة ودافعة، للاستمرار والمواصلة، الحب يأخذ بيدنا، يمنحنا الكثير من الثقة فى خطواتنا واختياراتنا، يمنحنا قدرة أكبر على المواجهة والقتال، يهمس لنا، بأننا لسنا وحدنا فى هذه الحياة، ولا فى هذه المعركة.. صحيح أنى على استعداد لأن أحارب وحدى، هذه بعض القوة والإيمان، لكن أن يقف الآخرون إلى جوارك، أن لا تكون وحدك، هو انتصار أكبر للفكرة..
كان اللقاء حميمياً وصادقاً، ربما اكتسب أهمية مضاعفة فى هذه اللحظة تحديداً.. لحظة تهديد الهوية، تهديد الثقافة وتهديد الحرية، لحظة يحاصر فيها الكتاب، والفيلم، والأغنية، والمسرحية، والتماثيل فى الشوارع.. فى لحظات الانقسام والتمزق والفوضى نكون أحوج إلى التضامن والتكاتف، إلى تأكيد اختيارات وتأكيد معانٍ، ودعم بعضنا البعض، تكون المحبة ضرورة، ويكون اللقاء أكثر أهمية..
لقاء صغير فى ورشة الزيتون، رغم بساطته وعفويته، استطاع أن يعيد صياغة المعانى، وصياغة الأسئلة، وأن يضعنا أمام أنفسنا، وأمام معنى المحبة كفعل مقاومة بالضرورة، انتصاراً لقيم ومعانٍ علينا أن ندافع عنها، ونحافظ عليها.. إننا نحتاج إلى الأزهار الجميلة، وإلى الوجوه الجميلة، إلى الرقة والحب والعذوبة، لنواصل الحياة، وندافع أكثر عن كل ما يجعلها أحلى وأبهى..
وسط العنف والرعب والمؤامرات والخيانات التى نعيشها فى تفاصيل حياتنا اليومية، تكتسب لقاءات المحبة ضرورة قصوى، تعيدنا إلى أنفسنا، تعيدنا إلى إنسانيتنا وعذوبتنا، تستعيد ولو لحظات ما تأكل فينا، تضعنا أمام أنفسنا مباشرة، أمام حقيقتنا الإنسانية، تكشف مظاهر قوتنا، ومظاهر ضعفنا أيضاً، تذكرنا أننا بشر.