لحظة شك!!

فؤاد السعيد

فؤاد السعيد

كاتب صحفي

الشك هو سيد الموقف، والغموض هو الحقيقة الوحيدة فى مصر اليوم. أين ذهب يقين الأيام الخوالى الأولى للثورة، حين كان «العدو» واضحاً (مبارك ونظامه) والحليف محدداً (الإخوان). بدأت رحلة المصريين من سكينة اليقين إلى حيرة الشك مبكراً، منذ شكك مبارك فى الثورة واعتبرها مؤامرة أمريكية، ومنذ ألمح عمر سليمان لأن الإخوان هم من يحركونها فى الخفاء، ومنذ شكك أحمد شفيق فى انتساب سالى زهران للثورة، مدعياً أنها سقطت من شرفة منزلها بالصعيد. تصاعدت الحالة منذ بدأ المصريون يسمعون الكلام وعكسه: هل كان أدمن «كلنا خالد سعيد» هو الليبرالى وائل غنيم أم الإخوانى عبدالرحمن منصور؟ وأحياناً الكلام وعكسه من نفس المصدر؛ قال محمد مرسى: «إحنا مش هنخرج ورا شوية عيال»، قبل أن يؤكد عصام العريان أن الإخوان شاركوا فى الثورة منذ يومها الأول!! وعندما وقعت «موقعة الجمل» كانت الصورة واضحة: بلطجية تابعون للأمن يهاجمون الثوار، يعاونهم قناصة من فوق الكوبرى والمبانى العالية. تم التشكيك فى الرواية وتحويرها بعد ذلك؛ فأصحاب الجمال جاءوا من «نزلة السمان» متظلمين من التضييق عليهم من الدولة وشركات سياحة كبرى (لم يستأجرهم رجال الحزب الوطنى ولا حتى استدرجوهم للموقعة). تقول الرواية الإخوانية أن البلتاجى استدعى شباب الإخوان لمساندة الثوار. فى المقابل اتهم أحمد شفيق وقيادات فى الجيش الفرقة 95 الإخوانية بتعمد قتل الثوار وقنصهم بالاستعانة بعناصر «حماس» لتهييج الموقف الثورى!! يصل الشك وإلى ذروة جديدة مع مذبحة بورسعيد (الأولى): هل كانت مدبرة من قبل مشجعى المصرى أم من قبل بلطجية تابعين للأمن أيضاً؟ هل رصد الأمن تدبير المشجعين ولكنه تجاهل خيوط المذبحة عمداً لتصل إلى ذروتها دون تدخل مباشر منه؟ وفى الاتحادية سجلت مشاهد الفيديو هجوم شباب الإخوان على المعتصمين وتعذيبهم واستجوابهم. بعد أيام خرج علينا المرشد ليصدمنا بأن القتلى «كلهم» كانوا من الإخوان وسط نفى بعضٍ من عائلاتهم!! أما أكثر أشكال الغموض إرباكاً للمواطنين فكان غموض المعايير؛ فقد فوجئ المصريون بالرئيس فى استاد القاهرة قبل شهور معلناً أنه بعد 100 يوم فقط فى الحكم، تم تحقيق 70% من المستهدف فى ملف الأمن و40% من ملف النظافة و80% بالنسبة لملف الخبز!! أسئلة كثيرة أخرى محيرة تملأ الساحة، بعضها مهم وبعضها غير مهم على الإطلاق، ولكنها جميعاً تعمق إحساس اللايقين الذى وصل أحياناً لدرجة الهذيان الجماعى؛ الرئيس مرسى: رئيس ولاّ مُش رئيس؟ خيرت الشاطر: نهضة ولاّ مُش نهضة؟ الرئيس مرسى: «ناسا» ولا مش «ناسا»؟ أبوالفتوح: إخوان ولا مش إخوان؟ مؤامرة اختطاف الرئيس من الاتحادية: جبهة الإنقاذ ولا مش جبهة الإنقاذ؟ قرض الصندوق: ربا ولا مش ربا؟ حصة العيش للفرد: ثلاثة أم خمسة أم براحتك؟ الصكوك: إسلامية ولا مش إسلامية؟ ماسبيرو والآثار الفرعونية: قطر ولا مش قطر؟ قتلة الجنود المصريين على الحدود: حماس ولا مش حماس؟ الصور والخرائط المضبوطة مع الفلسطينيين بالمطار: سيادية هامة ولا مش سيادية هامة؟.. إلخ. هل نحن بصدد عملية مخططة لضخ تدفق معلوماتى كثيف فى اتجاهات متناقضة، للوصول بالمصريين لحالة من الإرهاق والارتباك المعلوماتى والتحليلى؟ وهى حالة تصل بالناس لدرجة العجز عن تمييز المعلومة الصحيحة من الخاطئة، والتحليل الموضوعى من المتحيز، والنتيجة معروفة للمختصين بعلم النفس السياسى: إحباط عميق مصحوب بمستويات عالية من القلق والخوف من الآتى المجهول، والأهم الدخول فى مرحلة من الشلل والسلبية والإحجام عن المشاركة السياسية. والسؤال: مَن المسئول عن خلق هذه الحالة ومن المستفيد من استمرارها؟