تحولات المنوال الثورى

فؤاد السعيد

فؤاد السعيد

كاتب صحفي

يشير المنوال الثورى إلى أسلوب الثورة وإلى نوعية الأفراد الأكثر شيوعاً بين جموع الثائرين والمحتجين. كان «المنوال الثورى» لمن أشعلوا شرارة الثورة عبارة عن شباب مثقف ينتمى إلى عصر العولمة، تعلم على الأرجح فى منظومة التعليم الخاص (لغات) أو المدارس التجريبية. أما خلفيته الاجتماعية فكانت الطبقة العليا أو الشريحتين العليا والوسطى من الطبقة المتوسطة. جسّد وائل غنيم وأحمد ماهر هذا المنوال أيام الثورة. استطاع هذا الشباب الحفاظ على سلمية الثورة، بسبب اطلاعه على نهج الثورات السلمية التى سادت العالم منذ سنوات الثمانينات، وهو ما توافق مع مِزاج الطبقة المتوسطة المصرية بسمتها الأخلاقى المحافظ، وهو ذات المِزاج الذى يحكم عقلية معظم الإخوان والسلفيين فى مصر ممن التحقوا بالثورة. تغير المنوال الثورى تدريجياً بعد الثورة، اتسعت قاعدة الاحتجاج الثورى وزادت نسبة شباب الطبقة المتوسطة بعد أن انضم إليها المزيد من شباب شرائحها الوسطى والدنيا، ممن تعلموا فى المدارس الحكومية. الكثير من هؤلاء عرفوا معنى الثورة واكتشفوا طعم الوطنية لأول مرة فى الميدان. منذ تلك اللحظة ارتبطوا بالحركات السياسية والثورية وانخرطوا فى فعاليات العمل اليومى المضنى لتنظيم التظاهرات والاحتجاجات. هؤلاء هم المحركون الميدانيون الجدد للثورة من أمثال جيكا وكريستى والجندى والشافعى الذين ينتمون على الأرجح لحركة 6 أبريل وللتيار الشعبى. اضطر هؤلاء لمواجهة العنف بالعنف، ومنذ عنف الإخوان الأول عند قصر الاتحادية، بدأنا نسمع عن ظهور ساذج مراهق لمجموعات «البلاك بلوك» لأول مرة فى مصر. على التوازى زادت أيضاً نسبة شباب الطبقة الفقيرة من حملة الدبلومات المتوسطة، وكذلك ساكنى العشوائيات المتسربين من التعليم؛ صنايعية وحرفيين وبائعين وعاطلين. يعانى هؤلاء بحكم طبيعتهم الشعبية التلقائية من مشاعر الاختناق من التضييق الأخلاقى للإسلاميين الذين انتشروا فى تلك الأحياء خلال السنوات الأخيرة، وهم معرضون أكثر من غيرهم لإهانات الشرطة ولملاحقات البلدية لأنشطتهم الاقتصادية الصغيرة فى الشوارع الرئيسية للمدن. أما الفئة الأخيرة التى دخلت على الخط كطرف أصيل فى المعادلة الاحتجاجية فهى أطفال ومراهقو الشوارع الذين طردهم المجتمع من رعايته بقسوة كما طرد أهاليهم من قبلهم. هؤلاء أصبحوا تدريجياً بمثابة الحطب اليومى لحالة الغضب الاحتجاجى العنيف والمتواصل خلال الشهور الأخيرة. هل صعدت مجموعات من هذه الشرائح الاجتماعية المهمشة لجبل المقطم لإعلان غضبها على الحكام الجدد الذين يصرون على اتباع نفس الأساليب القمعية الظالمة للنظام السابق؟ ثمة احتمال قد يصل لدرجة اليقين بوجود نسبة بين هؤلاء من المأجورين، ولكن ليس كلهم بكل تأكيد. كذلك ليس كل من صعد للمقطم رافضا للإخوان بالضرورة، ولكنه ساخط بالتأكيد على السلطة الاستبدادية أياً كان لونها الأيديولوجى. قبل أيام قليلة من موقعة المقطم وفى مواجهة تليفزيونية ساخنة، حذر عالم اجتماع «محافظ» محاوره الإخوانى بأن اليوم الذى سيلاحق فيه المصريون الملتحين فى الشوارع أصبح قريبا جداً!! إذا كان لدى بعض السياسيين أرتكاريا من وجود الإخوان فى السلطة، فلماذا يشعر بعض المصريين العاديين بشعور الاختناق من الإخوان، على الرغم من أنهم فى الغالب لم يسبق لهم أن تعاملوا معهم أو أُضيروا منهم على الإطلاق؟!! الأرجح أن للأمر علاقة باعتقاد الإخوان بإمكانية فرض ذات الأسلوب المركزى الذى تدار به الجماعة، على المجتمع المصرى كله، وكذلك باعتقادهم بأن المنتمين لهم أكثر جدارة بالثقة مقارنة بغيرهم من المصريين، والأهم نهمهم للسلطة وتعجلهم المحموم للسيطرة على مفاصل الدولة. الإخوان فى حاجة لإعادة نظر شاملة وعاجلة فى المنوال الإخوانى ذاته، كى تكسبهم مصر كقوة اجتماعية إضافية، قبل أن يلفظهم الشعب بلارجعة.