كل «ثانوية عامة» وأنتم طيبون

منى الشيمى

منى الشيمى

كاتب صحفي

مع بدء موسم امتحانات الثانوية العامة تنسى الأسر المصرية كل ما يدور على الساحة السياسية بدءاً من تدهور صحة مبارك والاختلاف على تأسيسية الدستور وتصريحات الزند. تنسى مرسى وشفيق والانفلات الأمنى والمستقبل الغامض الذى ينتظر مصر، وتركز فقط على كيفية عبور أبنائها نفق الامتحانات ليس إلى بر النجاح فقط، بل إلى أمل حصول أبنائهم على درجة تمكنهم من الالتحاق بالجامعة. الاستعداد للامتحان يبدأ قبل بدء العام الدراسى بشهرين وقد يبدأ عند بعض الآباء المتشددين منذ انتهاء امتحان الصف الأول الثانوى مباشرة. يتم تخصيص أكثر من نصف ميزانية الأسرة لهذا الظرف الطارئ بالاتفاق مع مدرسى المواد المختلفة والتسابق لشراء الكتب الخارجية قبل نفاد طبعتها الأولى من المكتبات. مع بدء العام الدراسى يُكفَّن التليفزيون بغطاء أبيض، ويُعاد وضع الكمبيوتر فى كرتونته، ويقف الأب أمام نزق ابنه أو ابنته كالديدبان، ويُخيِّم على البيت صمت شامل كى يتم توفير المناخ الكامل للاستذكار ولا يصبح لدى الابن حجج الإخفاق. كثير من الآباء يعلمون جيداً أن نتيجة الابن فى النهاية لا ترتبط بكم الاستعدادات وكيفيتها، ولا باجتهاد ابنهم وقيامه بواجبه على أكمل وجه؛ لأن الطالب نفسه قد يُصاب بصدمة بمجرد رؤية الأسئلة. يترك على أثرها ورقة الإجابة فارغة ويخرج، أو لأن ورقة امتحانه قد تتبدل مع طالب آخر مستواه الدراسى أقل أو أعلى، وقد ينسى المصحح سؤالاً كاملاً أو يخطئ المقدِّر فى الجمع فى النهاية. كل الأحداث التى تعتبر استثنائية وعارضة عند الدول الأخرى تحدث دون دهشة فى مصر. كما ترسخت هذه القناعة لدى كثير من أولياء الأمور أيضاً من أحداث الأعوام الماضية التى وقعت على مرأى ومسمع الجميع دون أن يحرك حدوثها ساكن القائمين على سير الامتحانات، مثل دخول أوراق الإجابة لطلاب بعينهم ليس لشىء سوى لأن آباءهم يعملون فى الشرطة أو الجيش أو كانوا نواباً سابقين فى البرلمان أو عُمداً فى قرى بعيدة. تدخل أوراق الإجابة إليهم مباشرة على مرأى باقى الطلاب، لأن هؤلاء سيوفرون للمراقبين الغداء والعشاء وقد يدفعون مبالغ باهظة أو ما يعادلها من سجائر الحشيش. بعد تكرار هذه الأمور -باستثناء فئة قليلة ظلت ترى أن الاستذكار هو الوسيلة الوحيدة للنجاح- أصبح عادياً أن يشكل أهالى بعض الطلاب غرفة عمليات صغيرة فى أقرب بيت من كل مدرسة ثانوية، ليلجأوا إلى الأسلوب نفسه فى إنجاح أولادهم. تبدأ خططهم بالاتفاق مع مدرس من كل مادة ليقوم بحل أسئلة الامتحان نظير مبلغ من المال يتم جمعه منهم بالتساوى. يوم الامتحان صباحاً يقوم أحد رجال الأمن -مقابل مبلغ من المال أيضاً- بتسريب ورقة الأسئلة من السور إلى خارج المدرسة. بعد نصف ساعة فقط يصبح نموذج الإجابة مكتملاً، ويبدأ الأهالى فى «تملية» الامتحان لأبنائهم داخل اللجان عن طريق سماعات البلوتوث التى تفننوا فى كيفية تثبيتها وإخفائها فى ياقة قمصان أولادهم أو فى ذراع النظارة، أو فى أسورة كُم القميص، ولكى تعم الفائدة الجميع يُترَك النموذج فى المكتبات ليُصوَّر فى الساعة الأولى بخمسين جنيها، ثم ينخفض السعر تدريجياً كلما اقترب وقت الامتحان من الانتهاء. المدهش أن أولياء الأمور ينسون كل هذه الأحداث عند ظهور النتيجة، وينشغلون فى كيفية تدبير مصروفات الجامعات الخاصة، التى انتشرت مؤخراً وأصبحت أكثر من طوابير العيش؛ لأن الحد الأدنى للقبول فى الجامعات يظل -على الرغم من كل ما فعلوه- فوق المجموع الذى حصل عليه أولادهم.