أوسترايكا

لم يتوقف المصريون يوماً عن السخرية من حكامهم، حتى خلال العصور القديمة، التى كان الملك فيها له صفة مقدسة باعتباره منحدراً من نسل حورس الابن لكل من إيزيس رمز الأمومة الكونية وأوزير الأب الُمستشهد فى صراعه ضد رمز الشر شقيقه ست، وهو سيد العالم الآخر، وقاضى المحكمة الأخروية التى يوزن فيها القلب حيث يوضع فى كفة وريشة ماعت فى الكفة الأخرى، فمن خفت موازينه يمضى مبرءاً إلى حقول يارو، أول تصور إنسانى للجنَّة الأبدية، ونجد لها تخيلاً واضحاً فى مقبرة سنجم رع، أحد الفنانين الذين كانوا مكلفين برسم القبور الملكية فى وادى الملوك.. لقد رسم لنفسه لوحة رائعة بعد دخوله الجنة التى سيقضيان بها إلى الأبد، عناصر اللوحة مستمدة من الطبيعة المصرية، حيث النهر، والزرع متعددة أشكاله، والأمن، والسلام. عندما قرأت العبارة المكتوبة بالخط الهيروغليفى تأثرت، تقول: «أرض.. ليس فيها أعداء..»، رغم هيبة اللوحات فى وادى الملوك التى يغلب عليها الطابع الدينى، إذ تجرى حول مثول ملوك مصر فى الآخرة للحساب، ومرورهم بالمراحل المتعاقبة التى تسبق دخولهم الجنة، وفى مقابر النبلاء، أى الموظفين الكبار، ورجال الملك، نجد مشاهد الحياة اليومية، من رقص وغناء وطعام وشراب وتقديم قرابين وصيد وعمل وممارسة حرف، فى مقابر وادى الملوك قداسة ورهبة، فى قرية الفنانين ومقابر النبلاء مشاهد الحياة اليومية، هؤلاء الفنانون هم من يرسمون الجدران، حيث يبدو حكام مصر فى أشد اللحظات تبجيلاً.. ولكن كشفت الحفريات الأثرية عن تصور آخر تماماً لدى المصريين لحكامهم، وتجسد ذلك فى قطع الخزف المعروفة بـ«الأوسترايكا»، التى عثر عليها فى قرية الفنانين المعروفة باسم «دير المدينة»، التى اكتشفها الفرنسيون عام 1903، هذه القطع تعد من آيات الفن الإنسانى؛ إذ أبدع المصريون عليها فى لحظات تحرر نادرة أجمل الأشكال الفنية دون رقابة الكهنة، دون قواعد سابقة، دون قيود.. لذلك عبروا من خلال هذه القطع الصغيرة عن أدق شئونهم وآرائهم ومعظمها ساخر، يحتفظ تورينو بقطعة «أوسترايكا» عليها قط يلاعب الفأر، بينهما لوحة للعبة الضامة، التى تعتبر أصل الشطرنج، وما تزال فى الصعيد معروفة بالسيجة، لعله الكاريكاتير الأقدم فى العالم، الذى ينطلق من فكرة المتناقضات، لكن تتجسد الرؤية الخفية للحكام فيما رسمه الفنان المصرى القديم ليلاً لحكامه، يتجسد ذلك فى قطع «الأوسترايكا» التى تحمل مشاهد فاحشة للملكة حتشبسوت مع وزيرها وعشيقها «سنموت» أحد عباقرة العمارة فى العالم، وهو من أنشأ الدير البحرى، أحد أجمل معابد العالم. حيرنى ذلك فى النهار يرسم الفنانون الملكة فى المقابر متشحة بالهيبة، وفى الليل يبدعون فى السخرية منها، لعله أقدم أشكال السخرية السياسية فى العالم، السخرية أحد العناصر الأساسية فى رؤية المصريين لحكامهم، ولا يمكن التأثير فيها سلباً أو إيجاباً.