الدقهلية.. معايير الجودة «معدومة».. والرقابة «محدودة»

كتب: صالح رمضان

الدقهلية.. معايير الجودة «معدومة».. والرقابة «محدودة»

الدقهلية.. معايير الجودة «معدومة».. والرقابة «محدودة»

«الحوائط تعلوها الرطوبة، مستوى النظافة شبه منعدم، روائح كريهة تنبعث بجميع أرجاء المستشفى، وأغلب الأدوية والمستلزمات الطبية والكيماويات إما عينات مجانية أو منتهية الصلاحية»، وردت هذه العبارة ضمن تقرير إحدى اللجان الطبية التى قامت بالتفتيش على أحد أكبر المستشفيات الخاصة بمحافظة الدقهلية مؤخراً، حيث أشار التقرير إلى تردد عدد كبير من المرضى على المستشفى، فيما رصدت اللجنة وجود بقايا أدوية حديثة فى غرفة العمليات، وعينة دم حديثة فى المعمل الخاص بالمستشفى.

وكشفت اللجنة، بحسب ما جاء فى تقريرها، عن عدم وجود ترخيص للصيدلية أو معمل التحاليل بالمستشفى، بالإضافة إلى وجود عيادة أسنان تمارس عملها بدون ترخيص، وعدم وجود أى أطقم طبية، سواء من الأطباء أو التمريض، لاستقبال الحالات الطارئة، وأن «عاملة» واحدة كانت توجد بقسم الاستقبال وقت وصول اللجنة، كما يوجد «فرن» داخل غرفة العمليات، يوجد به عدد من الأدوات الجراحية، يعلو بعضها الصدأ، كما يتم غسيل الأدوات فى حوض غسيل الأيدى بقسم العمليات.

{long_qoute_1}

واكتشفت اللجنة أيضاً أن غرفة مدير المستشفى تُستخدم كعيادة خاصة، ووجود مستلزمات طبية منتهية الصلاحية، بالإضافة إلى عبوات أدوية «متعفنة»، ومواد كيميائية وأخرى لاختبار «فيروس سى» منتهية الصلاحية منذ سنوات، داخل معمل المستشفى، الذى يمارس عمله بدون ترخيص، وأنابيب تحتوى على عينات دم ونفايات خطرة داخل سلة للقمامة، دون التخلص منها فى الأكياس المخصصة للمخلفات الطبية.

وعلى ضوء الملاحظات التى أوردها تقرير اللجنة، أصدر محافظ الدقهلية، حسام الدين إمام، قراراً بإغلاق المستشفى لمدة 3 شهور، لتلافى تلك الملاحظات، وبعد انتهاء فترة الإغلاق، عاد المستشفى للعمل مرة أخرى بنفس الطريقة والأسلوب كما كان من قبل دون أدنى تغيير، وعن ذلك قال الدكتور «محمد. ع»، طبيب بمديرية الصحة، إن المستشفى الذى يصدر بحقه قرار بالإغلاق، يعتبر القائمون عليه مدة الإغلاق هى «فترة للراحة»، يرفعون خلالها شعار «مغلق للتجديدات»، حيث يقومون بإجراء بعض الإصلاحات الإنشائية، أو شراء بعض التجهيزات الجديدة، لإيهام اللجنة بتلافى ملاحظاتها، وكذلك إيهام المرضى بأن المستشفى يستعين بأحدث الأجهزة الطبية، لرفع قيمة العلاج بأضعاف ما كانت عليه قبل الإغلاق.

واعتبر «محمد» أن المريض يتعرض لعملية «ابتزاز كبرى» داخل المستشفيات الخاصة، فعندما يذهب أحد المرضى إلى مستشفى خاص، ويكون مصيره «الموت»، نتيجة خطأ طبى ما من قبل المستشفى، لا تكون هناك أى عقوبات رادعة يمكن تطبيقها على المتسبب فى ذلك الخطأ، وعادة ما يتم التوصل إلى «تفاهمات» مع أسرة المتوفى تنتهى بعدم تحرير محضر، أو التنازل عنه، أما إذا خرج المريض سليماً معافى، فيحصل المستشفى على مبالغ طائلة من أهله، ويوهمهم الأطباء بأنهم صنعوا «معجزة» بإنقاذ مريضهم من «موت محتوم».

أما «م. ع»، مدير أحد المستشفيات الخاصة بالدقهلية، فقال: «المريض يثق فينا ويقدر مجهودنا، ونحن لدينا مسئوليات وعلينا التزامات كبيرة، من مرتبات وضرائب وتكاليف أخرى كثيرة، ولابد أن يتحمل المريض جزءاً من هذه التكاليف»، وتابع بقوله: «كل يوم أفتح فيه المستشفى، مطلوب منى مصاريف لا تقل عن 2000 جنيه»، أما بالنسبة لمستوى الخدمة وأداء العمل داخل المستشفى، فقال «هذا أمر بينى وبين الله، لقد أديت القسم، وأقوم بواجبى خير أداء، ولذلك الناس تثق فى عملى، ويأتون لى دون غيرى، فالأساس هو الثقة بين المريض والطبيب»، مشيراً إلى أن «البعض يسىء لمهنة الطب، مثل أى مهنة أخرى، ولكن السمة الغالبة هى لشرفاء المهنة»، بحسب قوله.

{long_qoute_2}

ومن جانبه، قال نقيب أطباء الدقهلية، الدكتور إبراهيم الزيات، لـ«الوطن»، إن النقابة لديها «لجنة تراخيص»، تتولى فحص الإنشاءات والمواصفات الفنية، وأكد أنه «لابد أن يحصل صاحب المستشفى على موافقاتنا قبل حصوله على الترخيص»، وأضاف أن دور النقابة بعد منح الترخيص يكون «فنياً» فقط، أما الدور الرقابى ورصد التجاوزات المهنية والمساءلة عليها، فهذه مسئولية «إدارة العلاج الحر»، ولها حق «الضبطية القضائية»، وكشف نقيب الأطباء عن «مفاجأة» بقوله إن المستشفى الذى يحصل على ترخيص، لا تتم مراجعته بعد الحصول عليه، ويستمر الترخيص طوال فترة فتح المستشفى، دون حد أدنى من السنوات.

وتابع «الزيات» قائلاً: «هذا ما نطالب به من إصلاح تشريعى فى هذا الشأن، فلابد من مراجعة شروط الترخيص كل فترة، فنحن نستخدم قوانين تم وضعها سنة 1954، وما زلنا نعمل بها حتى الآن، ولكن يبدو أن مجلس النواب مش فاضى لمشاكلنا»، وأضاف: «لا علاقة لنا بالأسعار المتداولة فى المستشفيات الخاصة، فهذا شأن بين المستشفى والمريض، ولا يوجد أى رقابة من جانبنا فى هذا الشأن».

ومن ناحيته، أكد وكيل مديرية الصحة بالدقهلية، الدكتور هشام مسعود، أنه «لا علاقة لنا بما هو بين المريض والمستشفى الخاص، ولو وجد خلاف بين المستشفى والمريض، عليه أن يتوجه بها إلى النقابة العامة للأطباء»، وأضاف أن «المستشفيات التى ترتكب مخالفة، يصدر قرار بإغلاقها فوراً، ويتم الإغلاق من الأجهزة التنفيذية»، وأضاف: «أغلقنا هذا الأسبوع 6 مستشفيات فى أجا، إما لعدم الالتزام بالاشتراطات الطبية، أو لتعديل فى الرسومات الهندسية، أو لعدم تطبيق إجراءات السلامة المهنية».

وتحدث الدكتور «عبدالرحمن أ»، طبيب بمديرية الصحة بالدقهلية، عن دور إدارة «العلاج الحر» فى الرقابة على المستشفيات الخاصة، بقوله: «المرور الدورى للعلاج الحر يكون إدارياً فقط، ولا يوجد مرور فنى على المستشفيات الخاصة، إلا نادراً»، وأضاف أن «كل طبيب يفتح مستشفى يعتبرها ملكية خاصة، ولا توجد لائحة للمستشفيات الخاصة، اللائحة الوحيدة هى الخاصة بالمستشفيات التابعة للجمعيات أو النقابات المهنية، أما المستشفيات الخاصة فلا يوجد لها لائحة مالية خاصة، ولو طلب من المريض 100 ألف جنيه مقابل علاج جرح بسيط، فهو أمر متروك للمستشفى، ولا يمكن لأحد أن يلومه عليه، لعدم وجود معيار يمكن القياس عليه».

وتابع «عبدالرحمن» بقوله: «العلاج فى المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة مسألة عرض وطلب»، إلا أنه أشار إلى عدد من أوجه القصور فى أداء المستشفيات الخاصة، منها غياب معايير مكافحة العدوى، كما لا توجد «معايرة» لأجهزة التخدير، التى يتم معايرتها فى المستشفيات التابعة لوزارة الصحة مرة كل 3 شهور، بالإضافة إلى عدم وجود رقابة على الأجهزة الطبية، ولذلك بعضها أصابه الصدأ، ومع ذلك يستمر الأطباء فى استخدامها بالعمليات الجراحية، مما يشكل تهديداً مباشراً لأرواح المرضى.

وأضاف أن غالبية العاملين فى المستشفيات الخاصة يكونون غير مدربين على أعمال التمريض، وينعكس ذلك سلبياً على المرضى، كما أن طبيب المستشفى الخاص غالباً ما يفتقد القدرة على التعامل مع أى «مفاجآت» أثناء العملية الجراحية، ولذلك عند حدوث أى أمر مفاجئ لا يستطيع التعامل معه، يلجأ على الفور إلى نقل المريض إلى أقرب مستشفى حكومى، وتابع أنه «رغم التطوير الطبى الذى يحدث كل يوم، فإن المعدات والأدوات المستخدمة لا يتم استبدالها فى معظم الأحيان، منذ فتح المستشفى»، كما أشار إلى أنه رغم أنه غير مصرح بوجود صيدلية للمستشفيات التى بها أقل من 25 سريراً، ومع ذلك تجد أدوية منتهية الصلاحية، وأغلبها من العلاج المجانى لوزارة الصحة.

كما تحدث «أحمد شعبان»، أحد المواطنين لـ«الوطن» عن تجربته مع أحد المستشفيات الخاصة بالدقهلية، قائلاً: «عندما شعرت زوجتى بآلام الوضع، ذهبت بها لمستشفى خاص بحثاً عن عناية طبية أفضل، وبعد إجراء عملية ولادة قيصرية، ولم تستغرق فترة بقائنا فى المستشفى سوى وقت العملية فقط، وجدت إدارة المستشفى تطالبنى بمبلغ 20 ألف جنيه، صرخت فيهم، وهددتهم بإبلاغ الشرطة، فكان الرد: ادفع فلن يفعل صراخك شيئاً»، وأضاف: «من ذهولى طلبت شرطة النجدة، وبالفعل حضروا للمستشفى، ووجدتهم يطلبون منى أن أذهب معهم إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بما أريد، دون أن يذهب معى أى مسئول بالمستشفى، وتبدلت فرحتى بالمولود، إلى قضاء وقت مع الشرطة، انتهى بتنازلى عن المحضر، وسداد مبلغ 15 ألف جنيه».

وقالت «هدى حمدى»، ربة منزل: «أجريت جراحة كبرى فى أحد المستشفيات بالمنصورة، واتفقت مع الطبيب المعالج على كل شىء، وعلى المبلغ الذى سأدفعه، وكان مبلغاً كبيراً، وبالفعل أجريت العملية، ودفعت المبلغ للمستشفى، وطلبت فاتورة لأقدمها إلى عملى ليساهموا معى فى جزء من تكاليف العملية، ففوجئت بالمستشفى يرفض منحى فاتورة بالمبلغ الذى دفعته»، وأضافت: «وجدت المستشفى يشرح تكاليف العملية إلى أجرة الطبيب، وإلى تكاليف أيام الإقامة بالمستشفى، وتكاليف فتح حجرة العمليات، وحسبت النسبة الأكبر من التكاليف للطبيب، وقالوا لى: عاوزة فاتورة روحى خديها من الطبيب، إحنا بنعمل فاتورة بالإقامة بالمستشفى فقط، عشان الضرائب».

ومن جانبه، قال الدكتور أشرف البدراوى، مدير إدارة «العلاج الحر» بالدقهلية، وهى المختصة بالتفتيش على المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة، فى تصريحات لـ«الوطن»، إن «مسئوليتنا التفتيش على المستشفيات، ولا علاقة لنا بما تفرضه على المواطنين من أسعار للعلاج، ودورنا التفتيش على حالة جاهزية المكان للعمل، من ناحية صيانة الأجهزة، ومدى موافقة تخصص الطبيب لترخيص المستشفى»، مؤكداً أنه فى حالة مخالفة شروط الترخيص، أو تشغيل المستشفى بدون ترخيص، أو مخالفة التجهيزات، يتم إغلاق المستشفى على الفور.

وبينما أكد ضرورة إجراء تعديلات تشريعية، تسمح بأن يكون الترخيص محدد المدة، وتطبيق معايير الجودة على المستشفيات الخاصة، فقد كشف «البدراوى» عن مفاجأة أخرى بقوله إن «محافظة الدقهلية تضم 18 إدارة صحية، مطلوب منا أن نفتش عليهم، وإدارتنا مكونة من طبيبين فقط، أحدهما منتدب، و4 إداريين»، مشيراً إلى أن الإدارة تقدمت بطلب إلى وزارة الصحة لإعادة هيكلتها، وبالفعل تمت الموافقة على الطلب، ولكن الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة لم يتخذ أى إجراء بشأن الطلب حتى الآن.


مواضيع متعلقة