تفاصيل انتصار «ترامب» وانكشاف «هيلارى» و«أوباما»

كتب: أحمد الطاهرى

تفاصيل انتصار «ترامب» وانكشاف «هيلارى» و«أوباما»

تفاصيل انتصار «ترامب» وانكشاف «هيلارى» و«أوباما»

كانت كل المؤشرات تقول إن العاصمة الأمريكية واشنطن تستعد لتحتفل بليلة شابة صاخبة.. استعدت لها جيداً.. اختلفت الأعمار، وكان اللون الأزرق واحداً جامعاً لهم ومعبراً عن تأييدهم لطموح «هيلارى» الرئاسى الذى تحول إلى سقوط مدوٍ وهزيمة قاسية على يد منافسها دونالد ترامب المرشح الجمهورى، الذى سيحكم من عاصمة لم تنتخبه، وأعطت 94% من أصواتها للسيدة كلينتون.

كانت العاصمة وسكانها فى بحر من التضليل تم اقتيادهم إليه بفعل آلة إعلامية لم تحرم فى زيفها ولم تبخل فى كذبها.. آلة إعلامية كانت طرفاً ولم تكن رقيباً.

استطلاعات رأى أثبتت النتائج أنها كانت مفبركة تعكس نوايا أكثر من كونها مؤشراً للحقائق.. واستقبلت واشنطن صباح الثلاثاء بتلهف.. تلك المدينة التى لا تقبل أنصاف الأحلام ولا أنصاف الحلول ولا أنصاف الحالات، التى اعتادت أن يكون لها رأى مهم فى أى موضوع، حتى لو كان تافهاً.. وكنا من البداية نرصد ونُسجل أن الصورة فى الإعلام الأمريكى مغايرة للحقيقة على الأرض.

{long_qoute_1}

فى وقت مبكر تحدّث إلىّ الأستاذ محمود مسلم، رئيس تحرير «الوطن»، قائلاً: «هل ستفوز هيلارى مثلما تقول مؤشرات الإعلام الأمريكى؟».. فكان ردى بسيطاً، وهو أن حالة الرعب الذى تتملك الديمقراطيين، والتى حولت «أوباما» من رئيس دولة إلى رئيس حملة، تؤكد أن «ترامب» خصم قوى وأن الأمر ليس كما يروجون.. وبالفعل «ترامب» خصم قوى اكتسح الانتخابات بقدرة عجيبة وراهن منذ البداية على فوزه وتحدى الجميع وأصر على أن يكون مقر حملته فى الولاية المعروف ولاؤها للخصم، وهى نيويورك، وأن يُخصّص قاعة للفوز مبكراً ويجعل معاونيه يستقبلون النتائج المختلفة من الولايات داخل هذه القاعة، ويستعد مبكراً لإلقاء خطاب الفوز.

ومع إشارة الساعة إلى السابعة مساءً بتوقيت واشنطن، ومع بداية فرز نتائج ولايات الساحل الشرقى، وإظهار التفوّق الخاص بالمرشح الجمهورى حبست الأنفاس، انتظاراً لنتائج ولايات مؤثرة مثل فلوريدا ونورث كارولينا.. ليضرب الشيب الليلة الشابة وتُصاب بشيخوخة كئيبة مشابهة لتلك الحالة التى عاشتها القاهرة عندما تم إعلان نتائج انتخابات 2012 تلك التى جرت بين الفريق أحمد شفيق والإخوانى محمد مرسى.. صدور ضاقت، غلبتها الدموع، تحولت إلى نحيب مسموع، ومن تماسك نفسه لم يقوَ على التكبّر أمام الصدمة.

■ هل كان فوز «ترامب» صدفة؟

الإجابة عن هذا السؤال لكل من يرصد على الأرض بإنصاف هى «لا» قاطعة.. كان فوز «ترامب» قابلاً للتحقق، وحظوظه حاضرة، لكن الإعلام الأمريكى حاول أن يجعل من هذا الفوز صدفة إذا تحقق.

الرصد الذى ترجمته فى ما بعد النتائج الحقيقية، وقد اكتسحها اللون الأحمر، تعبيراً عن تفوق «ترامب».

أن مشهد الانتخابات برمته عكس أزمات فى مصداقية الإعلام الأمريكى وشركات استطلاعات رأى عالمية.. لكن النتائج والمسار الذى ظهرت به يستحق التوقف بالتحليل.. بعيداً عن الصراخ الإعلامى للديمقراطيين الذى يصرف النظر عن الحقيقة، وهى أن قواعدهم الانتخابية لم تصوت لهم، بل صوتت لـ«ترامب» وفعلت ما كانت «هيلارى» تُروج أنها ستفعله فى «ترامب»، وأنها ستنتزع منه أصوات الجمهوريين، لكن ما حدث هو العكس.

شكّل نجاح «ترامب» بداية صفحة جديدة فى التاريخ الأمريكى.. للمرة الأولى يأتى ساكن للبيت الأبيض من خارج المنظومة السياسية والعسكرية.. ليس سيناتوراً أو محارباً قديماً.. انتماؤه للحزب الجمهورى مجرد توارد أفكار ودعم موسمى.. بل إنه حقّق معادلة غريبة، وهى أن الحزب الجمهورى هو الذى ينتمى إليه اليوم.. لم يخض باسمه أى انتخابات بلدية، ولم يدخل الكونجرس من بوابته.. بل جاء ترامب بالحزب مجدداً إلى البيت الأبيض.

جاء ترامب، وهو ليس بحاجة إلى تبرّعات من أحد، ومع ذلك قُدّمت إليه مليارات الدعم من مختلف الولايات فى حملته الانتخابية.

لم يُقدّم «ترامب» برنامجاً انتخابياً، ولم يجذب الانتباه بحديث لبق كحال «أوباما» فى 2008، لكنه ظهر كما هو، وهذا يكفى، لأن «ترامب» يُمثل تجسيداً للشخصية الأمريكية فى صورتها الأصلية.. الشخصية التى لا يعنيها سياسة خارجية ولا شواغل غير مباشرة.. الشخصية التى تتعامَل مع أمريكا على أنها أرض الأحلام والفرص والثراء.. وبالتالى كان وجهه الثرى أحد عناصر الجذب فى مجتمع يعيش متاعب اقتصادية وقامت أيديولوجيته على رفض مصطلح اسمه «عدالة اجتماعية»، وهو المعنى الذى يعمل به الديمقراطيون دون أن يُصرّحوا به، ومن هنا التفت حولهم الأقليات داخل الولايات المتحدة.

كان خطاب «ترامب» تجاه كتلة انتخابية واضحة، واعتمد على خلل تعانى منه المنافسة فى كتلتها الانتخابية.. بمعنى أن الحزب الديمقراطى ومرشحته هيلارى كلينتون، رغم كون الخريطة السكانية الجديدة للولايات المتحدة تميل إلى صالحهم بسبب تنامى كتل سكانية معينة، فإن هذه الكتل لم تدعم «هيلارى» بالشكل الكافى، وأثبتت النتائج أن قطاعاً منها صوّت لـ«ترامب».

كان يُفترض أن «هيلارى» تقف خلفها المرأة، وكذلك الأمريكان من أصول أفريقية، وشريحة بالغة التأثير وهى «الهيسبنك» والجاليات العربية والإسلامية من جراء خطاب «ترامب» الفج تجاههم فى بداية الحملة الانتخابية، فضلاً عن تغذية دوائر دبلوماسية عربية لهذا التوجه بين تجمعات الجاليات العربية.

لكن انفضت هذه الكتل من حول «هيلارى» باستثناء المرأة.. ولكل كتلة أسبابها.. ظهر من التصويت فى بعض الولايات، خصوصاً فيرجينيا أن الأمريكان من أصول أفريقية عاقبوا الديمقراطيين على فترة من العنصرية غير المبرّرة عانوا منها، وفى البيت الأبيض رئيس خرج من بينهم، فعاقبوا فترة حكم «أوباما» فى شخص «هيلارى».

أما «الهيسبنك» فانتقموا لمرشحهم وابنهم «ساندرز» الذى تمت محاربته وإزاحته لخدمة «هيلارى»، ولم تفلح كل محاولات «أوباما» المباشرة لإجراء تحالف قوى بين «ساندرز» و«هيلارى».. ولو كان الديمقراطيون تركوا «ساندرز» ليكون المرشح، لاجتازوا الانتخابات بسهولة، لكنهم لم يفعلوا.

{long_qoute_2}

أما النتائج فى رالى، التى تُعد مركزاً عربياً ومصرياً أصيلاً فى ولاية نورث كارولينا، إحدى الولايات المؤثرة، وكذلك فى ولاية ميتشيجن، فأثبتت أن الجالية العربية والإسلامية قرّرت دفع المخاطر عن أوطانهم الأصيلة فى الشرق الأوسط بعد تجربة الإدارة الديمقراطية والرهان على أن «ترامب» سيُعدّل من خطابه تجاههم بعد انتقاله إلى موقع المسئولية، وذلك رغم قيام بعض أو غالبية المراكز الإسلامية بالحشد لصالح هيلارى كلينتون، لكن تبقى فى النهاية الجالية العربية والإسلامية غير منضبطة التوجُّه. فى المقابل، حصد «ترامب» ثقة الجمهوريين المتشددين بخلاف النُّخب الإعلامية التى أرادت حفظ وجاهتها الاجتماعية من صخب خطابه الأحمق فى حق المرأة والأقليات، ومع ذلك التف حوله من يريد أمريكا للأمريكان فقط، وهم كُثر، ممن يريد فرص عمل واقتصاداً قوياً، وهم الأغلبية ممن يرفض تحمل عبء من لا يعمل فى مجتمعه، وهم كثر، ومن قبل كل ذلك احتضنته الرأسمالية الأمريكية وهى الأساس.. هو ابن الرأسمالية الأمريكية، وأدخلها إلى البيت الأبيض.

خططت هيلارى كلينتون جيداً وأدارت حملتها بكفاءة، لكن موجة التغيير والرغبة فى التغيير كانتا أقوى وأبلغ فى توصيل الرسالة، وكان «ترامب» وحملته يدركان ذلك منذ اللحظة الأولى، كانوا يقولون نحن لا نعبأ باستطلاعات الرأى لأنها لا تتحدث عن المتردّدين، ونحن نثق أننا سنجذب المتردّدين، وهو ما حدث.

نجح «ترامب» فى اختياره مايك بينس، ليكون نائباً للرئيس، ليُعوض به غياب عمقه السياسى فى دولاب عمل الدولة الأمريكية.. «بينس» سياسى مخضرم جمهورى متشدّد له مواقف حادة من كل ما يمس المجتمع، كان من الصقور الرافضة لحقوق المثليين فى الولايات المتحدة، ورفض إباحة تعاطى المخدرات فى بعض الولايات.

اختيار «بينس» بجوار «ترامب» طمأن شريحة المحافظين فى أمريكا وهم كُثر.. إذ تختلف أمريكا عن أوروبا فى حضور فكرة الدين داخل تكوين الشخصية والسياق العام للدولة والمجتمع.

■ هل كانت مصر تتوقع فوز «ترامب»؟

فى اليوم التالى للانتخابات، تلقيت دعوة كريمة على عشاء أقامه سفيرنا المميز فى واشنطن السفير ياسر رضا، والسيدة حرمه.. وعلى مأدبة العشاء التى شرّفها أيضاً اللواء رفعت قمصان، مستشار مجلس الوزراء، الذى كان يزور العاصمة الأمريكية فى التوقيت نفسه.. سعيت لأن أتجاهل بداخلى طبيعة عهدت عليها السفير ياسر رضا منذ بداية معرفتى به قبل 11 عاماً، وهى أنه يعمل ولا يحب أن يتحدث عن عمله، أو بمعنى أدق، لا يهوى «الشو الإعلامى»، وهو باحث نهم عن المعلومة، ومن الصعب أن يُفرّط بها خارج قنوات وزارته وما تحتويه برقياته بشكل منضبط صارم.. وبالفعل كان السفير رضا على عهدى به، إلا أن الحوار الممتد معه جعلنى أخرج بعدد من الاستنتاجات المهمة:

1 - أن تقدير الموقف داخل «الخارجية المصرية» توقع فوز «ترامب» مبكراً.

2 - هذا التوقع لم يكن من باب التنجيم الدبلوماسى، لكن وفق قراءة خاصة للوزير سامح شكرى من واقع خبرته السابقة بالملف الأمريكى.

3 - أن السفارة المصرية فى واشنطن تعمل وفق منهج عمل لأفق جديد فى العلاقة، بُنى على تحليل معلوماتى دقيق.

4 - أن إدارة «أوباما» انتبهت إلى ترحاب مصر الرسمى والشعبى بنتائج الانتخابات.

■ ماذا عن الإدارة الأمريكية الجديدة؟

عملية إحلال وتجديد ليست هيّنة بدأت فور لحظة إعلان نتيجة الانتخابات من المتوقع أن تشمل 3000 موظف فى مواقع مختلفة، وكان كشف النقاب عن أهم الأسماء المتوقعة لشغل مواقع التأثير داخل الإدارة الجمهورية الجديدة والفريق المعاون للرئيس دونالد ترامب مهمة لا تقل فى أهميتها عن تغطية الانتخابات ذاتها، وهو الخبر التالى فى الأهمية عن خبر تسمية الرئيس الأمريكى الجديد، فى هذا الإطار تحدّثنا إلى الكثير من المصادر، وتابعنا كل التقارير الإعلامية التى تدور فى هذا الفلك، وتبين أنه تجرى الآن المفاضلة بين شخصيتين لاختيار أحدهما فى خلافة جون كيرى فى موقع وزير الخارجية، الأول هو «جون بولتون» سفير الولايات المتحدة الأسبق لدى الأمم المتحدة، وينتمى إلى تيار المحافظين الجُدد وهو أحد القانونيين البارزين، وتدرّج فى العمل الحكومى حتى موقع نائب وزير الخارجية قبل أن تعهد إليه إدارة بوش الابن بتمثيل الولايات المتحدة فى عام 2005 داخل الأمم المتحدة.

أما الشخصية الثانية فهو السيناتور بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس الشيوخ.. والأخير رغم تصاعد اسمه فى بورصة الترشيحات فإن دوائر دبلوماسية تحدّثت عن سمات فى شخصيته قد تجعله غير متحمس للقبول بالموقع، رغم قوة موقعه داخل الإدارة، وذلك نظراً إلى اعتزاز «كروكر» بالتمثيل النيابى عن العمل التنفيذى.

ويُعد السيناتور جيم تالنت الأقرب فى بورصة الترشيحات إلى موقع وزير الدفاع.. يأتى هذا بينما أكدت مصادر وثيقة الصلة بحملة «ترامب» أنه لم يستقر حتى الآن عن المسئولين عن ملف الشرق الأوسط داخل المكتب البيضاوى، وهى المهمة التى عادة ما تسند إلى باحثين متخصّصين بشئون المنطقة، لكنهم يعملون فى الظل، بعيداً عن الأضواء، ويكون لهم تأثيرهم على صناعة القرار الخاص بالإدارة، وهو الأمر نفسه لموقع مستشار الأمن القومى.. فى المقابل تدخل الرأسمالية الأمريكية بقوة إلى دائرة الحكم، ولن تكتفى بموقع رئيس الولايات المتحدة متمثلاً فى الملياردير دونالد ترامب، الذى أضحى رئيساً، لكن تواردت أنباء عن اعتزام «ترامب» الاعتماد على نخبة رأسمالية من أشهر رجال الأعمال للعمل معه مستشارين اقتصاديين.

■ كيف ستتعامل أمريكا مع العالم الخارجى؟

سيطر هذا السؤال على عدد من المراكز البحثية الأمريكية وتصدّى له مايكل سينج الباحث الأمريكى المرموق، فى ورقة بحثية جاء نصّها على النحو التالى.

خلال مراحل مختلفة فى السنوات الأخيرة، وبالتأكيد خلال حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية، بدا كما لو أن الولايات المتحدة قد تحوّلت إلى الاهتمام بالداخل. فقد تم إعفاء الكثير من محللى السياسة الخارجية فى أعقاب نتائج المسح الأخيرة التى أجراها «مجلس شيكاغو للشئون العالمية» عن الرأى العام الأمريكى، التى وجدت، على عكس هذه الرواية عن سياسة الانعزال السياسى الزاحف، أن غالبية كبيرة تعتقد أن الولايات المتحدة ما زالت أقوى دولة فى العالم، وينبغى أن تمارس القيادة العالمية.

بيد أن تلك النتيجة قد تكون مضللة، فاستطلاع «مركز بيو للأبحاث» الذى أُجرى فى أبريل عكس أصداء النتائج العامة لـ«مجلس شيكاغو»، لكنه وجد أيضاً أن الأمريكيين يعتقدون أن الأهمية العالمية للولايات المتحدة آخذة فى التناقص (إن كانت لا تزال هائلة). إن المشاعر ليست مسألة تختلف عليها الأحزاب: فعدد الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين الذين يشعرون بأن هيبة الولايات المتحدة آخذة فى الازدياد، أقل مما كان عليه قبل سبع سنوات.

ويُضاف ذلك إلى وجهة النظر، التى انتشرت على ما يبدو خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة، بأن الولايات المتحدة تبقى قوية وينبغى عليها أن تظل كذلك، لكنها تسير فى الاتجاه الخاطئ. والسؤال الذى يطرح نفسه هنا، كيف يمكن فهم هذا القلق؟

يشير الكثير من الحديث عن الزعامة العالمية للولايات المتحدة إلى ما يُطلِق عليه خبراء السياسة الخارجية بـ«التفوق الأمريكى». والتفوق لا يعنى الهيمنة، كما لا يعنى ضمناً أن بإمكان الولايات المتحدة أن تفعل كل ما يحلو لها عالمياً. إنه ينبع من دور الولايات المتحدة فى الشئون العالمية كونها أكبر نوعياً من ذلك الذى تتمتع به القوى العالمية الأخرى.

وببساطة، ينشأ التفوق الأمريكى من أربعة عوامل ذات صلة: قوة الولايات المتحدة، وقوة دول أخرى، والنظام الدولى الذى تتزعّمه الولايات المتحدة، واستعداد الولايات المتحدة للقيادة. وفى أىٍّ من هذه التدابير، تأثر التفوّق الأمريكى فى السنوات الأخيرة.

إن قوة الدول فى العلاقات الدولية تعتمد بشكل كبير على حجم اقتصادها وقوة جيشها. وهناك أسباب تدعو الأمريكيين إلى القلق فى كلتا الحالتين. فقد تعافى الاقتصاد الأمريكى ببطء من الركود الأخير، مع نمو «الناتج المحلى الإجمالى» بمعدل أدنى بكثير من المعايير السابقة. وقد جادل الكثير من المحللين العسكريين بأن الاستعداد العسكرى للولايات المتحدة ما زال متخلفاً نتيجة للاحْتِبَاس (أو تخفيض النفقات) والأخطاء الأخرى (رغم أن البعض يعتقد أن هذا القلق مبالغ فيه).

وفى الوقت نفسه، فإن قوة الدول الأخرى والتهديد الذى تُشكله آخذة فى الازدياد. وفى حين ما يتم المبالغة -غالباً- فى تقدير المكانة الاقتصادية للصين، فإن اقتصادها ينافس الآن اقتصاد الولايات المتحدة. فيتم تحديث الجيش الصينى، وفى بعض النواحى يمكن مقارنته بالجيش الأمريكى. واقتصاد روسيا لم يعد يتهاوى من العقوبات وانخفاض أسعار النفط، فقد طوّرت موسكو أيضاً قواتها العسكرية. ويعنى ذلك أنه فى حين أن القوة الأمريكية غير آخذة فى الانخفاض، فإن الميزة النسبية للولايات المتحدة على الآخرين آخذة فى التقلص. كما أن رغبة الدول من أوروبا إلى آسيا فى تحدى الوضع الراهن آخذة فى الارتفاع.

وينبثق التفوق الأمريكى أيضاً من كَوْن الولايات المتحدة الدولة الرائدة فى النظام الديمقراطى الذى يعتمد اقتصاديات السوق الحرة فى عالم تسيطر عليه هذه الدول. إن الدولة التى كان نظامها السياسى أو الاقتصادى يختلف اختلافاً جوهرياً، حتى لو كانت قوية، تجد أن طريقها إلى التفوق يواجه [بعض] التحديات. ومع ذلك، هناك دلائل تشير إلى أن النظام الليبرالى الذى تقوده الولايات المتحدة يتعرّض للضغط. ويواجه انتشار الديمقراطية حالة من الركود منذ عام 2006، كما أن الاتفاقات التجارية قد تعثّرت، والتجارة نفسها قد توقفت عن الارتفاع. وحيث تعثّر النظام الدولى الليبرالى، فقد ازدادت التحديات: من الضم الروسى لشبه جزيرة القرم، إلى قيام الصين ببناء جزيرة وتحديها محكمة لاهاى فى ما يتعلق ببحر الصين الجنوبى. ولم تساعد الولايات المتحدة وحلفاؤها فى الغالب، بتمجيدها معايير كتلك التى تعارض استخدام الأسلحة الكيميائية، لكن تهمل تطبيقها، أو بتحديث المؤسسات الرئيسية وتعزيزها مثل «صندوق النقد الدولى» و«الأمم المتحدة»، ناهيك عن النظام الليبرالى على نحو واسع.

إذا كان هناك ما يمكن استمداده بصورة حازمة من تقرير «مجلس شيكاغو»، فهو أن العامل الرابع -أى استعداد الولايات المتحدة للقيادة- لا يزال سليماً. فنحو 64٪ من المشاركين -من بينهم أغلبية ضئيلة من أنصار الرئيس المنتخب من الحزب الجمهورى دونالد ترامب- رأوا أن الولايات المتحدة يجب أن تقوم بدور نشط فى الشئون العالمية. إن الاستعداد للقيادة يسير على قدم وساق. وقد كشف استطلاع «بيو» أن 43٪ من الأمريكيين يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن «تهتم بشئونها الخاصة على الصعيد الدولى»، وهو انخفاض من أعلى مستوى تاريخى وصل إليه وهو 52٪ فى عام 2013.

ويشير ذلك إلى أن السؤال الصحيح ليس ما إذا زال الأمريكيون يؤمنون بالقيادة العالمية للولايات المتحدة، بل ما إذا كان صناع السياسة يؤمنون بذلك، نظراً لردودهم الصامتة إزاء التحديات التى تواجه التفوق الأمريكى، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يخططون لاستعادتها؟


مواضيع متعلقة