الصبح «تلميذ» وبالليل «صبى»: أطفال فى مواجهة الشارع 10 ساعات يومياً بحثاً عن «شهادة محترمة ولقمة عيش»

كتب: شيرين أشرف

الصبح «تلميذ» وبالليل «صبى»: أطفال فى مواجهة الشارع 10 ساعات يومياً بحثاً عن «شهادة محترمة ولقمة عيش»

الصبح «تلميذ» وبالليل «صبى»: أطفال فى مواجهة الشارع 10 ساعات يومياً بحثاً عن «شهادة محترمة ولقمة عيش»

نماذج فريدة من نوعها فقدوا طفولتهم تحت وطأة مهن شاقة بعد أن وجدوا أنفسهم مضطرين للعمل دون اختيار منهم، أطفال تركوا مدارسهم فى سبيل العمل لساعات طويلة فى الشارع، لكل منهم حلم وطريق وهدف رغم ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية المتشابهة، لا يشعرون بخجل أو نقص، بل يفتخرون بما يقومون به، «الشغل مش عيب» الشعار الذى رفعه الأطفال الثلاثة، ليخوضوا رحلة الكد والكفاح فى ميدانى الدراسة والعمل.

ببشرته البيضاء وابتسامة لا تفارق وجهه، يستيقظ «يوسف سعيد» الذى لا يتجاوز عمره 10 أعوام فى الساعات الأولى من الصباح، ينطلق نحو عمله بحثاً عن الرزق، ثم ما إن ينتهى من ذلك حتى يبدأ جولة جديدة ليحصّل دروسه فى الفترة المسائية بمدرسته الابتدائية، حلم «البالطو الأبيض» لم يمنع الطالب بالصف الرابع الابتدائى من العمل بجد فى المهنة التى اختارها بجانب دراسته، وهى بيع لوحات صغيرة لآيات قرآنية فى إشارات المرور باختلاف المناطق، رافضاً الأيادى التى تمتد له بالعطف دون شراء اللوحات منه: «ماما بتصحينى الصبح بدرى أذاكر دروسى، وأنزل قبل ميعاد المدرسة بساعتين لأن نظام المدرسة عندى مسائى، أبيع اللى فيه النصيب وأرجع البيت ألبس هدوم المدرسة وأروحها لوحدى»، لا ينتهى يومه عند انتهاء اليوم الدراسى، لكنه يعاود عمله مجدداً، «بعد المدرسة، أرجع البيت أغيّر تانى وآكل لقمة، وأنزل الشغل من جديد على 6 المغرب أبيع اللوحات اللى معايا فى الإشارات».

{long_qoute_1}

رغم صغر سنه، إلا أن أحلام يوسف كبيرة جداً، «نفسى أبقى دكتور زى دكتور مجدى يعقوب بتاع القلب، عشان أعالج الناس الغلابة اللى زينا ببلاش، ويبقى عندى مستشفى كبيرة تعالج كل الحالات المريضة اللى معهاش فلوس»، لا يخجل الطفل الصغير من بيع اللوحات بالشوارع، بل يفتخر بعمله، الذى يساعده على استكمال دراسته وتحقيق حلم أن يصبح طبيب قلب معروفاً على حد قوله: «أهلى ناس غلابة وعلى قد حالهم، دخلونى أنا وإخواتى الـ5 المدارس لكن بيتعبوا عشان يصرفوا علينا كلنا، فقررت أعتمد على نفسى من وأنا عندى 7 سنين، عشان أفضل فى المدرسة وما طلعش منها، وأجيب مصاريف الدراسة وأساعد أبويا وأمى وأخواتى فى مصاريف البيت».

«أنا مش شحات»، رد واحد يطلقه يوسف مثل الصيحة فى وجه كل زبون يحاول أن يساعده بمبلغ بسيط دون أن يشترى منه اللوحات، حتى إذا كان المبلغ أكبر من ثمن اللوحة التى يبيعها: «أمى بتقول لى إن اللى بيشحتوا ناس وحشة وربنا بيدخلهم النار، وعلمتنى أن لما آخد فلوس على عرقى وتعبى ربنا هيدخلنى الجنة، عشان كده لو أى حد حاول يدينى فلوس من غير ما يشترى برفض»، مواقف صعبة تمر على «يوسف» أثناء وقوفه بين الشوارع وإشارات المرور لبيع لوحاته، أولها القبض عليه عدة مرات بتهمة التسول فى الشارع، ما يدفعه دائماً للبكاء والحزن دون أن تمنعه هذه المخاطر من الاستمرار فى عمله، ومواصلة حضور دروسه بالمدرسة جنباً إلى جنب من أجل تحقيق أحلامه: «أكتر حاجة بتوجعنى لما الشرطة بتيجى تقبض عليّا فى الشارع وأنا مبعملش حاجة أكتر من أنى بشتغل عشان أصرف على مدرستى وأساعد أهلى، قابلت الموقف ده كذا مرة، وبحاول أقول لهم إنى مش شحات ولا بتسول زى ما بيقولوا وإنى هبقى دكتور كبير ما حدش بيسمعنى».

{long_qoute_2}

ساعات من الألم والوجع يعيشها الطفل «يوسف» بين نظرات ترمقه باستياء أحياناً، وسوء معاملة يقابلها من البعض، أو عطف يؤذيه نفسياً بحسب قوله، أو حتى بلطجة من بعض الأفراد الذين يسيطرون على مناطق بعينها حسبما يشير، «أنا المفروض كنت أبقى فى 5 ابتدائى، راح عليا سنة عشان اتقبض عليا واتحبست أيام امتحانات آخر السنة وما عرفتش أحضرها كلها وسقطت»، وتابع بدموع محبوسة: «بنام وسط حشرات وفيران وأطفال مجرمين بيشربوا مخدرات ومش كويسين، وأنا المفروض مش زيهم، أنا كل اللى بعمله أنى بشتغل وببيع فى الشارع عشان أصرف على نفسى، والناس فاكرين أنى بشحت وولد وحش»، «يوسف» هو الابن الأوسط لوالده الأربعينى، وأمه التى تخطت عامها الثلاثين، أسرة مكونة من 7 أفراد لا تملك إلا بيتاً صغيراً بقرية أبوالنمرس بالجيزة، رغبة الابن «يوسف» باستمرار دراسته، دفعته للعمل بالشوارع حتى لا يخرج من المدرسة بسب ظروف المعيشة الصعبة التى تواجهها الأسرة: «بحاول أذاكر على قد ما أقدر جنب الشغل، لكن برجع بالليل ببقى تعبان ومش بذاكر إلا ساعتين الصبح، والحمد لله الشغل بيكفى مصاريف مدرستى طول السنة ومش بعتمد على الدروس»، الدخل الذى يتحصل عليه يوسف يومياً، لا يتعدى 60 إلى 100 جنيه، ثمن اللوحات التى يبيعها، أرباحه أقل من النصف، «يعنى اللى بيطلع لى فى الآخر من 25 جنيه إلى 50 جنيه لو ربنا كارم أوى، بيساعدونى أوفر مبلغ لأكلى وشربى وأبويا وإخواتى بساعدهم»، يعود إلى حلمه البعيد مجدداً بقوله: «بكرة أكبر، وأبقى دكتور قد الدنيا والناس كلها تنادينى بيوسف الدكتور».

ظروف مريرة أخرى، يعيشها أطفال آخرون تراودهم فيها الأحلام من جهة، ويضغط عليهم واقع صعب يسيرون فيه على خط النار من جهة أخرى، «حمدى أحمد» ابن الـ9 أعوام، تمكن من الالتحاق بمدرسة حكومى بمنطقة الحوامدية بالجيزة متأخراً عاماً عن زملائه، لكنه لم يكن يدرك أنه بعد سنتين من الدراسة ستكون مهنة جمع القمامة فى انتظاره، برغم إيمانه بعمله الذى لم يجد فرصة أخرى بديلة عنه، إلا أنه يخشى أن يقابله أحد من أصدقائه أو معارفه فى المدرسة أثناء العمل، يتساءل: «لو حد شافنى ويعرفنى أقول له إيه؟ إزاى أقنعه أنى بشتغل الشغلانة دى عشان ما أمدش إيدى؟ شكلى قدام اللى يعرفنى هيكون إزاى؟»، أسئلة كثيرة تدور فى ذهن الطفل «حمدى»، الذى قرر أن يعمل عليها مبكراً، ليشعر الصغير أن وظيفة عامل النظافة لا تؤثر على علاقته بالمعارف والأصدقاء: «قرار أنى أنزل أجمع الزبالة وأشتغل فى الشوارع كان صعب عليّا أوى، كان نفسى أكون زى أصحابى فى المدرسة بيذاكروا عشان ينجحوا ويبقوا حاجة، لكن لما لقيت أبويا طلب منى أن ماكملش وأطلع من المدرسة وأنا فى 3 ابتدائى، أو أنزل أشتغل وأساعده عشان أفضل فى المدرسة، قررت أنزل وأشتغل».

لم يجد «حمدى» أمامه عملاً بجانب الدراسة سوى جامع قمامة بالشوارع، فالخجل الذى شعر به الطفل من عمله بجانب دراسته ظل يراوده حتى وقع ما توقع، وقابل ذات يوم أسرة الصديق الذى يجاوره نفس «التختة» بالمدرسة، لكنها كانت بداية جديدة بالنسبة له: «ما كنتش قايل لأصحابى فى المدرسة أى حاجة، لأن بصحى الصبح بدرى أنزل أجمع الزبالة من الشوارع، وأرجع البيت استحمى وألبس هدوم المدرسة وأروح مدرستى وأذاكر بالليل»، كاب «أزرق» على رأسه يقيه من أشعة الشمس، وبنطال قماش قديم ينتهى إلى «شبشب بلاستيك» يساعده على الحركة لساعات طويلة، على هذه الحال يتنقل «حمدى» بين الحارات والأزقة والشوارع الرئيسية بجوال القمامة، مستكملاً كلامه بحماس وقوة: «من بعد موقف صاحبى لما شافنى وأنا شايل الزبالة ومن يومها مابقاش عندى خجل من حد، وكسر فيّا كل الخوف اللى كان جوايا بأن حد يشوفنى، مع أنه بيضحك عليّا من يومها وخلى العيال كلها فى الفصل ينادونى بالزبال. لكن أنا متأكد أن هابقى أحسن منه وبكرة يشوفنى مهندس كبير فى البلد والناس بتتشرف بيّا».

«مفيش حلاوة من غير نار»، هكذا يؤمن ثالثهم، «بلال سامى» الذى أكمل عامه الـ15، فهو أكبرهم عمراً ووعياً، وأكثرهم إيماناً بالعمل بجانب الدراسة وإجهاد «اللف فى الشوارع» لوقت طويل يصل لنحو 10 ساعات يومياً لجمع القمامة بمنطقة مساكن الشباب بمدينة الشروق، لا يرى أى عيب ولا يعنيه سوى رضاه عن نفسه وما يقوم به فى سبيل استكمال الدراسة: «أنا فى 3 إعدادى، ونفسى أبقى ظابط جيش عشان أحارب اللى مش بيحبوا مصر، وبستحمل ريحة الزبالة والأمراض اللى بتجيلى بسببها وأنا بأشيلها عشان آخد فلوس وأدفع مصاريف المدرسة»، مهنة جمع القمامة واظب عليها «بلال» على مدار 7 سنوات، ساهمت فى زيادة الربح اليومى الذى يدخره شقيقه الأكبر بعد وفاة الأب: «أبويا مات وأنا وأخويا الأكبر اللى بنصرف على أمى و3 بنات إخواتى، أخويا محمد طلع من وقتها من المدرسة لأن مالوش فى التعليم وكان بيهرب من المدرسة وأبويا اللى كان بيخليه يروح غصب عنه، وأنا نزلت اشتغلت عشان ما أخرجش من المدرسة وتروح عليّا سنين من عمرى».

لا يعين «بلال» فى أداء مهمته بجمع القمامة سوى أدوات بسيطة، لكنها لا تمنعه من إصابات يتعرض لها أو مخاطر تهدده، «عارف أن الشغلانة صعبة بس مالقتش غيرها، والمشكلة أن مفيش أكل عيش بالساهل، والشغلانة دى كل مشكلتى فيها أنى ببقى على طول تعبان بسبب العدوى اللى باخدها من الزبالة بأى جرح اتجرحه من الإزاز المرمى بشكل عشوائى وبيعورنى»، لا يخطط «بلال» لأى أحلام مستقبلية، ولا تدور داخل عقله أمانى صعبة أو حتى سهلة المنال سوى هدف وحيد يدعو الله أن يتحقق عقب إنهاء دراسته، «مش عاوز حاجة غير أن أكون ظابط فى الجيش، وأكمل دراستى ونعيش أنا وإخواتى وأمى كويسين»، يقول مبتسماً وسعيداً وملامح الرضا على وجهه، يتذكر أول يوم نزل فيه إلى العمل، وحاله الآن بعد مرور السنوات الماضية: «حسيت بتعب وخوف وقلق أن حد يعرفنى يشوفنى وأنا بلم الزبالة من الشوارع، لكن خلاص بقى، دلوقتى اتعوّدت، بلف وأتحرك قبل ميعاد الدراسة وعارف هعمل إيه كويس، ومش قلقان أن حد يشوفنى لأن الشغل مش عيب، وكل شخص عنده ظروفه ولازم يتحملها»، مهنة جامع القمامة بالنسبة لـ«بلال» لا تتعدى كونها عملاً مؤقتاً لحين استكمال دراسته، يتحصل منها على ما يقارب 1000 جنيه شهرياً تساعده فى قضاء لوازمه واحتياجاته، «الحمد لله بأقدر أجيب مصاريف الدراسة والبيت، وما يبقاش الحمل كله على أخويا، لحد ما أكبر وأدخل الجيش وأبقى ظابط قد الدنيا أحمى بلدى وأحمى بيتنا».


مواضيع متعلقة