المشروع السياسى الغائب عن عملية استعادة قدرات الدولة

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

أحداث الأسابيع القليلة الماضية التى شهدتها البلاد من توترات وانفراجات وخلافات واتفاقات على قضايا مختلفة تؤكد أن البلاد ما زالت تعانى من غياب مشروع سياسى، يكون الشباب والأحزاب السياسية رافديه الأساسيين، ويكون قادراً على تجميع الشمل وبلورة توافقات محددة بين الأطراف المختلفة تمثل أساساً لبناء دولة فى مواجهة أخطار عديدة ما زالت تحدق بها.

يتحدث البعض عن غياب الأحزاب وضعف المؤسسات الحزبية، وهو رصد صحيح لكنه للأسف «كلمة حق يراد بها باطل»، فضعف الأحزاب ليس مبرراً لتجاهلها أو لتبرير إبعادها عن المشهد أو لتفسير غيابها قدر ما يجب أن يكون مبرراً لتوفير زخم لها يعيدها إلى المشهد مجدداً ويجعل منها أداة أساسية من أدوات الدولة فى عملية إعادة البناء المطلوبة.

لعل البعض قد لاحظ مدى الدعم الذى وفرته غالبية الأحزاب المصرية لمساندة موقف الدولة فى ملف تحرير سعر الصرف وتقليص الدعم، ومدى المساندة التى قدمتها بإدانتها لدعوات التحريض على العنف والفوضى واختيارها للاستقرار وانحيازها لمؤسسات الدولة، وهى رسائل سياسية لها مدلولاتها فى الداخل عند الرأى العام وفى الخارج عند دوائر صناعة القرار فى الدول والمنظمات الدولية على حد سواء.

من غير المعقول أو المقبول التعامل مع الأمر باعتباره مساندة وقتية وترجع ريما لعادتها القديمة، فقد أكدت الأحداث أن الأحزاب قادرة على الوجود إذا ما توافرت لها أدوات تتيح لها المشاركة، وفى داخل البرلمان يوجد نحو 15 حزباً أو أكثر قليلاً، وهو معدل مهم للحديث عن دعم شعبى للأحزاب السياسية رغم جملة التحفظات التى يمكن إبداؤها فى هذا السياق.

استمرار غياب دور مؤثر ومتواصل ومستمر للأحزاب يعد استمراراً لحال فراغ سياسى فى البلاد، وهى إشارة فى جانب منها لغياب رؤية شاملة لتطوير الحياة السياسية وتفعيل دور مؤسسات الدولة وفى مقدمتها تنشيط دور الأحزاب فى اجتذاب الناس، خصوصاً الشباب، للعمل العام القائم على المشاركة.

لقد أثبتت تجربة مصر فى الثمانينات والتسعينات أن الاكتفاء فى محاربة الإرهاب بالشرطة ومؤسسات الأمن المختلفة فقط أمر بالغ التعقيد والصعوبة وغير كافٍ لمحاصرة مفاهيم العنف ومظاهر الإرهاب، وأن توافر ظهير سياسى للدولة كفيل بخلق جدار واقٍ من كل محاولات الاختراق، كما أثبتت فى العشرية الأولى من القرن الحالى أن اعتماد عملية التنمية على الجهاز البيروقراطى وفى غياب مشروع سياسى يدفع بالبلاد إلى مسيرة الفساد واحتكار عوائد التنمية لجماعات محددة وعدم استفادة الغالبية من هذه العوائد.

القدرة على تحقيق التنمية ومواجهة التطرف والإرهاب تحتاج لمشروع يحقق التوافق بين جميع أطراف المجتمع وليس بفرض إرادة طرف على الآخر. واعتقادى أن المشكلة الحقيقية تتمثل فى مدى إيمان الحكم بدور الأحزاب فى إدارة شئون الدولة، ففى الدول الحديثة تمثل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى قوة الدفع الأساسية فى إدارة شئون الدولة.

الأحزاب الضعيفة تكون تأثيراتها السلبية على الدولة أقوى بكثير مما يتخيل البعض، بل إنها تتحول إلى قوة مساعدة على إثارة المشاكل ومراكمة الأزمات، وهى وإن تبدو ضعيفة فى نفوذها العام فإنها مؤثرة جداً فى إثارة جدل سلبى قادر على إلقاء التراب على كثير من الإنجازات والتطورات الإيجابية.

ولا يتوقف تأثير الوجود الحزبى القوى على هذه الجوانب إنما يمتد وبالأساس للتأثير على الوجود الشبابى ويساعد على تكريس مشاركة الشباب فى العمل العام والانشغال بتلبية الاحتياجات المجتمعية والانخراط فى مؤسسات الدولة السياسية بدلاً من الانجذاب لأفكار التطرف وتنظيمات الإرهاب.

والحديث عن دور للشباب لا يتوقف عند حدود مبادرات إيجابية لإخلاء سبيل محتجزين منهم، إنما يتجاوز ذلك إلى أحاديث أكثر عمقاً تتعلق بفكرة الانتماء والثقة فى الوطن والرغبة فى العطاء، وهى كلها مبادئ تتعلق بوجود مشروع سياسى شامل متعدد الجوانب ومتنوع الأدوات.

مؤتمر الشباب كان خطوة مهمة للغاية فى مسيرة المشروع السياسى المطلوب كما كانت مواقف الأحزاب السياسية من رفض العنف ودعوات الفوضى للتعبير عن الخلاف السياسى، لكن كل ما سبق سيصبح مجرد مجال لكلمات فى مقالات أو دراسات ترصد تطورات سياسية فى البلاد إذا لم ترتقِ إلى مستويات أعلى تتيح توظيفها فى فكرة تنقل البلاد إلى واقع مختلف.

الوجود الشبابى فى الأحزاب قائم منذ استئناف التعددية الحزبية منتصف سبعينات القرن الماضى، لكن معوقات عديدة حاصرت دور الشباب فى الشأن السياسى فقط. ورغم محاولات عديدة لاختراق هذا الحصار فإن الواقع فرض استمراره، وهو ما يقتضى أن ننظر للأمور بصورة مغايرة نستفيد فيها من توفير زخم لتقوية دور الأحزاب وفى الوقت ذاته توفير البيئة المناسبة لاستعادة دور الشباب.

اعتقادى أننا نحتاج للتفكير بعمق فى إنشاء منظمة للشباب، واعتقادى أيضاً أنه لا يصح الاستدلال بتجارب سابقة فى رفض الفكرة، إنما الاستدلال بها لتطوير الفكرة وصياغتها فى إطارها الصحيح المنتج، فالتربية السياسية تتم من خلال الأحزاب، أما المفهوم الأوسع فلا يحتاج لتدريب أو تأهيل سياسى إنما باستعادة الفكر المصرى المستنير فى عقول الشباب وبتكريس مفهوم الجماعية ونبذ الفردية، وتعميق قيم العمل والربح الشريف، والمشاركة والعمل التطوعى ورفض المفاهيم الانسحابية، ومن يريد السياسة فلديه الأحزاب القائمة على أسس مجتمعية وليست فئوية.

الأداء الشبابى لا يكتمل فى غياب إطار مؤسسى قادر على لملمة النتائج وتكريس تفاعلها لتحويلها إلى واقع مجتمعى شامل يمثل بؤرة جذب طبيعية وليست مصطنعة للشباب. ربما يخشى البعض من جوانب سلبية أو ثغرات وهو أمر طبيعى لكنه ليس مبرراً لاستمرار حالة إقصاء الجماعية والتطوعية والمشاركة الوطنية بين الشباب.

نحن فى حاجة لمشروع سياسى يجعل من الأحزاب والشباب والمجتمع المدنى أدوات راسخة فى بناء الدولة والدفاع عنها.