الوطنية المصرية.. وما يجرى فى «شما»

حلمى النمنم

حلمى النمنم

كاتب صحفي

هناك أزمة فى مركز أشمون بمحافظة المنوفية، الأزمة داخل قرية «شما» حول مقتل المواطن محمد عيسى العليمى، ويتهم الأهالى عائلة «أبوحريرة» بقتله، نحن أمام جريمة قتل، يقع مثلها جرائم كل يوم، فى مصر وحول العالم، لكن هذه المرة، الأمر مختلف، إذ يتعلق بصراع عائلى، هذا الصراع ليس جديداً، بل يعود إلى صيف عام 2011، أى قبل أكثر من خمس سنوات، وكان السبب كذلك جريمة قتل وقعت داخل القرية اتهم فيها الأهالى العائلة نفسها، وبدلاً من اللجوء إلى القضاء وانتظار حكمه قام الأهالى بمهاجمة بعض منازل العائلة وطرد أفرادها من القرية. أثناء عملية الطرد أو الإجلاء، وقعت اشتباكات وسقط قتلى، ثم حاولت العائلة أن تعود مرة ثانية، فكان ما كان، هذه التفاصيل نُشرت فى عدد من الصحف والمواقع الإخبارية، والعهدة عليها فى دقتها ومصداقيتها.

الأمر يجب أن يستوقفنا، ليس فى شقه الجنائى والحقوقى، هذا متروك لرجال القانون والأمن، وحكم القضاء فى النهاية، لكنه يستوقفنا فيما يتعلق بجانبه الوطنى، من حيث شعور المواطنة والإحساس بدولة القانون لدى كل مواطن، ومن حيث الفكرة الوطنية ذاتها، والشعور الوطنى عموماً، ويجب القول إن هذا الشعور داخل مصر وبين المصريين، تعرض -تاريخياً- لتخريب وعوامل سلبية كثيرة كادت أن تقضى عليه، منذ غزو سليم الأول لمصر سنة 1517، حيث تحولت مصر إلى مجرد ولاية عثمانية تنتظر أن يأتيها الوالى من الآستانة، وسقط مع سقوط دولة المماليك لقب «سلطان مصر»، كان المماليك يحملون لقب «المماليك المصرية»، فلم يُعرف لأى منهم بلد غير مصر أو أهل خارجها، وفى النصف الثانى من القرن الثامن عشر، بدأ الشعور الوطنى يستيقظ ويعود مجدداً مع محاولة الاستقلال التى قادها «على بك الكبير» وأجهضها السلطان العثمانى، إذ أصدر فتوى بتكفير «على بك»، مما هز ثقة الجيش وقائده محمد بك أبوالدهب به، كان «على بك» عقد صفقة أسلحة «بنادق» مع روسيا، فأخذها السلطان ومفتيه دليلاً على كفره، كان السلطان يعتبر روسيا ديار كفر ومن يتعامل معها يكون كافراً، ثم جاءت الزلزلة مع حملة نابليون، صيف سنة 1798، لتوقظ الشعور الوطنى لدى المصريين، ومن بعدها ثورة مايو، سنة 1805، العظيمة التى أسقطت الوالى العثمانى، ونصبت محمد على حاكماً لمصر.

حين بدأ محمد على مشروعه لبناء الدولة الوطنية الحديثة، كان أمامه عدة مشكلات، من أبرزها مسألة النزوع العائلى أو القبلى والعشائرى فى بعض المناطق، ومعه كذلك ما يمكن أن نسميه الارتباط المناطقى «الإقليمى الضيق»، على حساب الارتباط الوطنى، وذلك أن الاحتلال العثمانى - التركى، كان ينمى ذلك الإحساس ويساعد عليه، فقد اقتطع أجزاء من شمال سيناء وضمها إلى غزة، ولذا فإن أول ما فعله محمد على هو إعادة ترسيم الحدود، وسمح العثمانيون فى وقت من الأوقات لبعض الأقاليم أن لا تتبع مركزية العاصمة، وتتعامل مباشرة مع السلطان العثمانى فى الضرائب والجباية وفى الأمور المحلية، حدث ذلك فى جرجا بالصعيد، وفى الإسكندرية بعض الوقت وفى غيرها، حيث عُوملت لبعض الوقت وكأنها أقاليم منفصلة عن مصر سياسياً وإدارياً، وهكذا، ناهيك عن تغول بعض العائلات وازدياد نفوذها ليعلو نفوذ الحاكم فى القاهرة، وتعلو سلطاتها فوق سلطة الدولة، ولم تكن هناك طرق تربط المحافظات والأقاليم تجعل من السهل التواصل بينها، ويجب القول إن محمد على من خلال الجيش المصرى وقائده الفذ إبراهيم باشا، بذل جهوداً جبارة من أجل ربط مناطق مصر كلها وتنمية الشعور الوطنى العام، كانت تلك الجهود خططاً عسكرية وأمنية ومشاريع تنموية كبرى وجهوداً سياسية حثيثة بُذلت عبر أجيال.

ويمكن القول إن «الوطنية المصرية» أمامها عدة تحديات، أبرزها على الإطلاق ذلك الاتجاه الذى ينادى بالأممية، ممثلة فى دولة الخلافة، وفكرة الخلافة التى لا تعترف بالوطن، وتعتبره «حفنة طين عفن»، كما ورد لدى سيد قطب، أو بالتعبير الديماجوجى الذى أطلقه أحدهم يوماً «طظ فى مصر».

ويرتبط بذلك الاتجاه، المعادى والكاره للوطنية، إشاعة الروح الطائفية، والتمييز بين المواطنين وفق الانتماء والاعتقاد الدينى والاتجاه المذهبى، ولا يمانع أنصار الخلافة من بروز دويلات الطوائف والمذاهب، الأمر الذى يستحيل معه قيام دولة المواطنة.. ودولة القانون.. والدولة المدنية.

ويأتى ضمن الاتجاه الأممى، دعاة العولمة وسيطرة قوة أحادية وفكرة وحيدة على العالم كله، راج هؤلاء على مستوى العالم مع انهيار الاتحاد السوفيتى سنة 1990، وسقوط المعسكر الاشتراكى، ومعه سقوط حائط برلين، وهذا الاتجاه له بعض المريدين فى مصر، ولعل بعض الأحداث التى وقعت فى الشهور الأخيرة تؤكد تراجع هذا التيار أمام تيار الدولة الوطنية، رأينا ذلك فى نتيجة الاستفتاء داخل بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبى، ويمكن أن نراه كذلك فى نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، هذا الشهر.

غير هذا التحدى، يأتى النزوع العائلى والقبلى، إن شئنا الدقة، ومعه كذلك المناطقى، وقد لمسنا بعضاً من ذلك حين وقعت كارثة استاد بورسعيد -مثلاً- وحين تم تعيين محافظ قنا، صيف سنة 2011، وكان قبطياً، والحق أن الجانبين، الأممى والقبائلى، يمكن أن يتداخلا فى بعض المواقف.

النزوع العائلى ما زال موجوداً وقوياً فى بعض المجتمعات القريبة منا، ولعل عودة هذا النزوع لدينا فى السنوات الأخيرة، وإن كان خافتاً، قد تكون تأثراً ببعض تلك المجتمعات، فضلاً عن الترهل الإدارى الذى تعرضت له بعض مؤسساتنا منذ منتصف السبعينات لصالح النزوع العائلى والعشائرى.

يجب القول إن بعض الاتجاهات أو المجموعات الأدبية، لبعض الكتاب المغمورين، تدفع فى ذلك الاتجاه، وإن كان بحسن نية، على الأغلب، عن تصور أن كل منهم يُعلى من شأن منطقته أو بلدته، ولعل مصطلح «أدباء الأقاليم» الذى تردد فترة بيننا، منذ نكسة يونيو 1967، كان علامة على ذلك الاتجاه، رغم أن الانحياز والتقييم يجب أن يكون للقيمة الأدبية والإبداعية، أولاً وأخيراً، نحن نتعامل مع د. طه حسين باعتباره صاحب البصيرة الكبرى، وعميد الأدب العربى، وليس أنه ابن عزبة الكيلو فى المنيا، والشىء نفسه ينطبق على لطفى السيد ود. محمد حسين هيكل وأم كلثوم وعبدالعزيز باشا فهمى والعقاد ومحمود حسن إسماعيل وبنت الشاطئ وقبلهم جميعاً رفاعة الطهطاوى، هؤلاء جميعاً جرى التعامل معهم وفق القيمة الأدبية والإبداعية وما قدمه كل منهم للذاكرة الوطنية والإبداع الإنسانى.

الأمر نفسه ينطبق على زعمائنا التاريخيين من عمر مكرم وأحمد عرابى وعبدالله النديم ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفى النحاس وهدى شعراوى، وصولاً إلى اللواء محمد نجيب وجمال عبدالناصر والسادات وغيرهم.

ما يجرى فى محافظة المنوفية يجب أن يستوقفنا لأكثر من سبب، وذلك أن المنوفية معروفة بارتفاع نسبة التعليم بها وقلة نسبة الأمية، والانحياز التاريخى للدولة الوطنية - المدنية، والانخراط أكثر فى مؤسسات هذه الدولة، ومن ثم فإن الأزمة الأخيرة تستحق التوقف.

أعرف أن الأمر، إلى الآن، لا يمثل خطراً كبيراً، لكن لو تُرك هذا الاتجاه، ينمو ويتمدد، فربما يصبح خطيراً بعد عدة عقود.