المصرى شيَّال الحمول: من عدد ساعات عمل كتير.. إلى أعباء ومسئوليات أكتر

كتب: عبد الله عويس ورحاب لؤى

المصرى شيَّال الحمول: من عدد ساعات عمل كتير.. إلى أعباء ومسئوليات أكتر

المصرى شيَّال الحمول: من عدد ساعات عمل كتير.. إلى أعباء ومسئوليات أكتر

أحمال زائدة بدنية ونفسية يحملها المواطن المصرى، بكل الطرق، تارة على أكتافه وبيديه، وتارة بجيبه وقلبه وتارات أخرى على قدميه، حمول ابتكر لأجلها المصريون المثل الشهير «من خفّ عقله تعبته رجليه»، لكن الأحمال تزداد باستمرار، منذ لحظة الاستيقاظ وحتى لحظة النوم، يحاول المرء المقاومة لكن الخرق يتسع على الراتق باستمرار، فالظروف الاقتصادية الصعبة تجعله يعمل لفترات أطول من تلك الطبيعية والمنطقية التى ينص عليها القانون، فضلاً عن كل تلك المتطلبات التى تدفعه دفعاً إلى مهن إضافية، ضغوط تقع بالبعض فى دائرة المرض الجهنمية ليزداد الحمل أكثر على جيبه ومن حوله، فيما تدفع البعض الآخر لتفريغ شحنة الغضب فى الطعام، والتدخين، ليزداد الحمل ولكن هذه المرة على الأقدام والرئتين، فى صورة وزن زائد، وصدور منهكة.

{long_qoute_1}

قوانين منصفة كالعادة وسط ظروف لا تعرف الإنصاف، فبحسب قانون العمل المصرى رقم 12 لسنة 2003 تنص المادة 80 على أنه لا يجوز تشغيل العامل تشغيلاً فعلياً أكثر من ثمانى ساعات فى اليوم أو 48 ساعة فى الأسبوع، ولا تدخل فيها الفترات المخصصة لتناول الطعام والراحة، لكن الواقع كان قاسياً والـ8 ساعات التى حددها تحولت لـ12 ساعة بالعديد من الأماكن الخاصة وإلى 20 ساعة لهؤلاء الذين يعملون بأكثر من وظيفة لتحسين أوضاعهم المالية.

طارق عبدالمحسن، واحد من هؤلاء الذين حاولوا مواجهة موجة الأسعار بصدورهم العارية فأصابتهم بمقتل، أحوال غير سعيدة بالمرة اضطرته إلى العمل بأكثر من مكان، فى محاولة للنجاة من الضغوط المادية والالتزامات التى تحاصره، لكن «حمولته الزائدة» تلك تطغى على حياته الشخصية وصحته الجسدية والنفسية، على أوقات متباعدة لم يعد يجدها فى الغالب يحاول الهروب إلى أحد المقاهى لا لمشاهدة ماتش، أو تدخين شيشة، ولكن لمحاولة التهام شطيرة سريعة، من بين هذه المرات تلك التى جلس فيها الرجل الذى تخطى عامه الـ43 فى تمام الـ8 مساء على المقهى ليلتهم طعاماً اشتراه من مطعم قريب، كأول وجبة له يأكلها منذ خروجه فى الـ7 صباحاً، عندما توجه إلى العمل بمصنع للغزل والنسيج الذى أتم العمل به فى تمام السابعة مساء، ليتجهز من أجل التوجه بعدها للجراج ليبدأ فى رحلة أخرى من العمل على الـ«توك توك» تمتد للثانية صباحاً «12 ساعة فى المصنع و6 على التوك توك وساعتين فى الطريق ساعة الصبح وساعة بالليل، ومايبقاش ليا غير 4 ساعات أنامهم» يقولها «طارق» مشيراً إلى التوك توك قائلاً «بيدخلى فى الليلة مثلاً نحو 70 جنيه مع الـ75 بتوع المصنع يادوب بيمشونى بالعافية».

{long_qoute_2}

للرجل الأربعينى 4 أولاد، خرج اثنان منهم من التعليم بعد حصولهما على الإعدادية، بينما يدرس الباقيان فى كل من المرحلتين الابتدائية والإعدادية، مشيراً إلى أن مصاريف دراستهما تكلفه الكثير وأنه لم يعد يقوى على الاحتمال «كان قدامى خيارين يا أكون مهمل فى بيتى وأطلعهم من التعليم، أو أحاول أنقذهم وأنقذ نفسى، وأقلل النفقات على البيت أو أشتغل شغلانة تانية عشان تسندنى، فملاقتش قدامى غير التوك توك» معاناة شديدة تستمر طيلة اليوم مع الرجل صباحاً بين أجهزة الغزل والنسيج باعتباره ميكانيكياً، ومعاناة أخرى مع المطبات والشوارع التى يجوبها بالتوك توك لقاء جنيهات من الراكبين «أنا بموت حرفياً وضهرى هايتكسر منى، بس لازم آجى على نفسى عشان لو ماعملتش كده مش هعيش وولادى مش هيلاقوا حاجة» يعود الرجل بذاكرته إلى الوراء حيث كان يعمل لمدة 8 ساعات بالمصنع ذاته مقابل 35 جنيهاً فى اليوم قائلاً «ساعتها الـ35 جنيه كان ليهم قيمة، وكنت بلاقى وقت أفسح عيالى وأخرج مع مراتى، لكن دلوقتى يادوب أروح أنام عشان أصحى عشان أنزل الشغل».

حياة ليست كالحياة، ليس وحده الذى يعانى بها، فعلى دراجة بخارية خلف أحد الأشخاص يذهب عبدالعزيز محمود مع سائقها حيثما ذهب، تلك مهنته الصباحية بأحد المحلات التى تؤجر الدراجات البخارية للمواطنين، يذهب معهم حيث ذهبوا خشية السرقة، ثم يعود إلى المحل ويتولى مهام تنظيفه وغسل الدراجات لتكون نظيفة لليوم التالى، مقابل 30 جنيهاً فى اليوم، بينما يعمل بقية اليوم على توك توك يحصل منه على 80 جنيهاً يذهب 50 منها إلى صاحبه بينما يأخذ الباقى لنفسه.

«عبدالعزيز» الذى لم يتخط الـ15 عاماً بعد وجد نفسه مجبراً على ترك التعليم بعد مرحلة الابتدائية والعمل لمساعدة الأسرة فى سد احتياجاتها «والدى فى هيئة النقل العام وليا أخين ووالدتى وأنا متكفل بمصاريفى وبالبيت أحياناً، والشغل عمره ما كان عيب» قالها «عبدالعزيز» بينما كان يجهز التوك توك للبدء فى رحلة ليلية، معتبراً أن ظروف المعيشة فى ظل غلاء الأسعار تحتم عليه أن يتحمل المسئولية منذ صغره «على فكرة مش أنا لوحدى اللى بعمل كده، فى زمايلى كتير بيشتغلوا أكتر من شغلانة عشان الظروف اللى حواليهم» لا يعتبر الصغير نفسه صغيراً فهو حسب وصفه «شيَّال الحمول الكبير».

ينص قانون العمل على أنه يجب أن تتخلل ساعات العمل فترة أو أكثر لتناول الطعام والراحة لا تقل فى مجموعها عن ساعة، وأن يراعى فى تحديد هذه الفترة ألا يعمل العامل أكثر من خمس ساعات متصلة، لكن إسلام أشرف الذى يعمل بمصنع للغزل والنسيج لا يعرف عن قانون العمل شيئاً، فقط يعرف عن مرتبه ما يدفعه للعمل بمهنة أخرى ليستطيع توفير المال اللازم لتزويج أخته وللإنفاق على أسرته، يتوجه إلى عمله فى السادسة صباحاً ويتركه فى تمام الثالثة ومنه إلى المنزل ليستريح ساعة تتخللها وجبة الغداء مع أسرته المكونة من 5 أفراد يتولى الإنفاق عليهم بعد خروج والده إلى المعاش واقتراب أخته من الزواج، ثم يخرج من منزله إلى الشارع حيث يلتقى بصديقه الذى يسلمه وردية العمل على التوك توك «ليا 5 سنين على الحال ده عشان أعرف أوفَّق ظروفى» قالها الشاب الذى لم يتم الـ22 عاماً بعد، مشيراً إلى أنه يسعى لتزويج أخته وتجهيزها فى الوقت الحالى «لو ماعملتش كده مش هناكل عيش، إحنا متدمرين جسدياً ونفسياً بس مفيش قدامنا غير إننا نشتغل شغلانة واتنين ولو لاقيت التالتة هشتغلها» يعمل «إسلام» على التوك توك حتى الساعة الـ2 صباحاً ويعطى لصاحب التوك توك مبلغاً ثابتاً بشكل يومى 50 جنيهاً بينما يحصل على الباقى لنفسه مؤكداً «أنا مش ناوى أتجوز عشان الظروف اللى إحنا فيها دى ولو نويت يبقى على الـ30 مثلاً عشان أكون قدرت أجهز نفسى».

ظاهرة العمل فى أكثر من جهة ولساعات طويلة رآها الدكتور ماهر الضبع أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية، خطيرة، معتبراً أن العمل لأكثر من 8 ساعات يصيب الفرد بالاكتئاب والمرور بحالة نفسية معقدة «الشعور بالمسئولية هو ما يدفع المواطن للعمل فوق طاقته وهذا شعور جيد، لكن العمل بالشكل الذى يضر صحة الشخص يعد أمراً خطيراً» ويشير أستاذ علم النفس إلى أن تأثير العمل فوق المعدل الطبيعى لا يضر صاحبه فحسب، بل يمتد إلى نطاق أسرته والمحيطين به «الحياة الأسرية لن تسير كما ينبغى لها، لأن للزوجة حقوقاً ربما لن يستطيع الزوجة أداءها بسبب إرهاقه، كما أن لأولاده عليه حقاً لن يستطيع أن يوفيه»، مؤكداً أن الظروف المعيشية هى الدافع لتلك الظاهرة، لكنه فى الوقت ذاته يؤكد ضرورة أن يكون للشخص متسع من الوقت يمارس فيه الرياضة وبعض هواياته كى لا يصاب بالأمراض النفسية «الشخص الذى يعمل لفترات طويلة وبأكثر من وظيفة عرضة لأمراض نفسية نتيجة للضغط الذى يعيشه، وذلك الأمر سيدفعه لقلة التركيز وعدم القدرة على التفكير وسيكون أكثر عصبية، مما سيجعل حياته الأسرية مهددة»، ولغير المتزوجين يؤكد أستاذ علم النفس أن العمل بهذا الشكل سيؤثر عليهم فى المستقبل «فى مرحلة الشباب يستطيع الشاب أن يعمل لفترات طويلة، لكن ذلك سيؤثر على صحته البدنية تدريجياً، والنفسية على مدى طويل، لكنه قد يكون مضطراً لذلك فى ظل تدنى الأجور وارتفاع الأسعار».

الأحمال الزائدة والاكتئاب، أزمتان تقود كل منهما للآخر، حيث لا يجد المرء فى كثير من الأحيان سوى التهام مزيد من الطعام، خاصة فى أوقات الأزمات حيث تتزايد المشاعر بأن ثمة مجاعة مقبلة، ومع انعدام الراحة يصبح تناول الطعام هو المتعة الوحيدة للكثيرين، حيث لا نظام ولا تركيز على المحتوى أو السعرات، والنتيجة تبدو جلية فى بلد يعانى أزمة اقتصادية طاحنة ومع ذلك يحتل المركز الأول عربياً فى نسب الإصابة بالسمنة، ويحتفظ بمكانه ضمن قائمة الدول الـ10 الأكثر تضرراً من السمنة، حيث يعانى 18 مليون شخص من المرض القاتل، أى ما يمثل 35.9% من السكان، ناهيك عن أن النساء المصريات من أكثر النساء على مستوى العالم اللائى يعانين من السمنة! معلومة صادمة قدمها فريق من معهد قياس وتقييم الصحة بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت بدورية «لانسيت» الطبية، من بين 188 دولة جاءت أكبر زيادة فى معدلات السمنة عالمياً بين نساء مصر والسعودية وعدد آخر من الدول العربية، المرض الذى يقتل نحو 3.4 مليون شخص سنوياً على مستوى العالم، من جانبه أكد الدكتور طارق البحار أستاذ السمنة، أن الدراسات المصرية تدعم تلك التى تم إجراؤها فى الولايات المتحدة، ففى دراسة أجراها «معهد تكنولوجيا الأغذية» المصرى حول السمنة والتوازن الغذائى، تبين أن السمنة فى مصر زادت بصورة كبيرة، حيث وصلت إلى 36% بين النساء فى مقابل 32% من الأطفال، وقد شملت الدراسة 121 ألف أسرة مصرية من 20 محافظة من محافظات مصر ليتبين أن نسبة السمنة بين السيدات كبيرة بالمقارنة بنظرائهن من الرجال؛ ففى الوقت الذى تصل فيه نسبة السمنة بين سيدات مصر إلى 36% تنخفض بين الرجال لتصل 11.7%. بينما ترتفع نسبة السمنة بين سكان المناطق الحضرية من السيدات لتمثل 48.6% وتنخفض فى الريف لتصل إلى 29.4%، كما ترتفع النسبة فى الوجه البحرى لتكون 51.5% بينما تصل لـ22.5% بالوجه القبلى.

أستاذ السمنة أشار إلى المستقبل المرعب للسمنة والمصابين بها فى مصر، حيث تؤكد الدراسات أن النسبة المبدئية للمصابين بالبدانة فى مصر هى 38% من المصريين، وهى نسبة قابلة للزيادة بشكل مطرد، فى حين تشير بعض الأرقام الأخرى إلى أن نسبة البدانة فى مصر لا تقل بأى حال من الأحوال عن 50% بين النساء والرجال.


مواضيع متعلقة