السياسة علم يدرس ولها فنون فى الممارسة، وفيها خبرات كبيرة، وتجارب الأمم والدول محفورة فى ذاكرة التاريخ، لمن يريد أن يتعلم، وهى ليست رجساً من عمل الشياطين، كما ينظر إليها البعض، بل يمكن أن تكون من أعظم «القربات»، إن كانت تمارس لوجه الله ولمصلحة الناس.
والسياسة كما الدين فيها ما هو معلوم منها بالضرورة، وأول ذلك أنها ليست فى مقابل الدين، ويجب ألا تكون كذلك، ولا هى فرع منه، بل هى أصل من أصوله، إصلاح أحوال البلاد والعباد، وإقامة دولة العدل، لا دولة الحزب أو الجماعة، وتأسيس دولة المواطنين لا دولة الرعايا، وتحسين أمور الناس ومعايشهم، لا يقتصر ذلك على من أعطوا البيعة، أو وضعوا أيديهم فوق المصحف وحلفوا على السمع والطاعة.
الداخلون إلى حلبات السياسة من «السلفيين»، والقادمون على ركام من السنين طويلة من جماعة «الإخوان» مطالبون أكثر من غيرهم بتكريس قواعد جديدة للسياسة، غير ما عرفوه وما تعودوا عليه، وغير ما عرفه الناس عنهم، واعتادوه منهم، قواعد تجمع ولا تفرق بين أبناء الوطن الواحد، تفتش عن المشترك، ولا تنطلق من المختلف فيه وحوله، لأن تعظيم كل ما يدخل فى باب المشترك بين الناس هو الأساس الذى يُمكِّن لتقليص المختلف فيه بينهم، والعكس ليس صحيحاً.
بعض أكابر الشيوخ يعتبر العمل بالسياسة انتقاصاً من شأنه، أو إدخالاً له فى معترك لا يجوز لمثله أن يدخل فيه، ولهؤلاء قلتُ إن محمد بن عبدالله كان نبياً رسولاً وقائداً حربياً، ورئيس دولة الإسلام الأولى، عقد باسمها التحالفات، وأدار العلاقات بينها وبين جيرانها، وساس أمور المواطنين فيها، على اختلافٍ بينهم، بين مؤمنين ومنافقين وكافرين وأهل كتاب، ووضع لهم دستوراً بنى على قواعده المجتمع الجديد، لم يعتمد الدين أساساً للمواطنة، بل اعتبر التوافق العام هو الأصل، وإليه ترد كل الأمور، وتتساوى فيه الواجبات والحقوق لكل المواطنين.
لست أدعو أحداً للدخول فى معترك السياسة، ولكنى أحذر أن «اللحية» وحدها لا تبقيك لاعباً أساسياً فى حلباتها، وأخشى أن تمرغ تلك اللحى فى أرض الملاعب القذرة.