بالفيديو| راديو كيميت.. فن وتاريخ وحضارة في إذاعة المترو

كتب: محمود عباس

بالفيديو| راديو كيميت.. فن وتاريخ وحضارة في إذاعة المترو

بالفيديو| راديو كيميت.. فن وتاريخ وحضارة في إذاعة المترو

مكان ضيق يخلو من كل معالم الفخامة، بنيته المتهالكة تدل على هجره عمرا بأكمله، تتخلله غرفة صغيرة تحوي سماعات ومكبرات صوتية يستخدمها بضعة أشخاص انكسر الصمت بأصواتهم، يتبارون في تقديم برامج إذاعية ظاهرها الترفيه باطنها القيمة، يسمعها ملايين من راكبي مترو الأنفاق، الذين تفاجئوا بانطلاق إذاعة جديدة تضعهم في صورة بلادهم الأصيلة، التي لن يغيرها الزمن.

{long_qoute_1}

من داخل الإستوديو الكائن بشارع قصر العيني بوسط البلد، عايشت "الوطن" حلم فريق عمل تلك الإذاعة، التي لم تكن سوى مجرد فكرة نمت في عقل الشاب المصري "تامر شعلان"، الذي اعتاد ركوب "مترو الأنفاق" يوميا، لتتورم أذناه بسماع مئات الشائعات، التي يروجها الركاب يوميا، فيقرر مواجهة تلك الآفة بتأسيس إذاعة تكون بمثابة قناة شرعية يستاق منها الراكبون معلوماتهم، "بدأت أتواصل من المسؤولين في المترو من 3 سنين، وأخدت وقت طويل ومجهود كبير عشان أفهمهم الفكرة وأقنعهم بيها".

صعوبات عديدة واجهها مؤسس "راديو كيميت" خلال مرحلة الإعداد لإطلاقه، فالمعدات الصوتية الموجودة داخل محطات المترو خضعت لتجارب عديدة حتى تصل لجاهزية تناسب تنفيذ المشروع، قبل أن يجد الشاب الثلاثيني نفسه أمام خطوة اختيار مجموعة تقوم على أكتافهم الإذاعة، "عرضت المشروع على مجموعة كبيرة من أصدقائي، منهم اللي انسحب وفيهم اللي قرر يثابر ويكمل معاية للآخر".

{long_qoute_2}

فريق عمل "راديو كيميت" لا يزيد عن 10 أشخاص، يجوبون المكان كنحل دائب من أجل تسجيل أكبر عدد ممكن من الحلقات قبل إرسالها إلى إدارة المترو تمهيدا لإذاعتها، فها هو أحمد مشعل، مدير البرامج بالإذاعة، يقدح زناد فكره من أجل وضع أفكار تناسب ذوق ركاب المترو، ثم يأتي الدور على "أحمد راضي"، المدير الفني للإذاعة، ليطور تلك الأفكار ويضفي لها الحس الإذاعي المتميز، قبل أن تحين اللحظة التي يذهب فيها "تامر شعلان"، مؤسس الراديو، ليتفق معهم على انطلاق أول ساعات بث الإذاعة في صباح السادس من أكتوبر بالتزامن مع احتفالات المصريين بعيد النصر، "البث التجريبي لينا على مدار 11 ساعة في اليوم كمرحلة أولى، تبدأ الساعة 7 صباحا وتنتهي 6 مساء، وعندنا خطة إننا نخليها على مدار اليوم كله خلال الفترة الجاية".

الحديث ينتقل إلى "أحمد راضي"، المدير التنفيذي للإذاعة، الذي يشرح سبب تسمية الراديو بـ"كيميت"، أي مصر الجميلة عند الفراعنة، فالإذاعة تستهدف إمداد المواطن المصري بمعلومات مستمرة ترفع لديه إحساسه بجمال البلد التي يحيا على أرضها، وتعرفه بـ"الفولكلور المصري"، الذي تلاشى من مخيلته مع مرور الزمن، "في هجمة شرسة جدا على الثقافة والهوية المصرية، عشان كده قررنا نكتر الثقافة المصرية ونعيد إنتاجها".

التحدي الأصعب الذي واجهه "راضي" وزملائه خلال عمل الخريطة البرامجية للإذاعة هو عدم مكوث راكبي المترو سوى دقائق معدودة على المحطة، غير أن فريق عمل "راديو كيميت" تغلب على ذلك بعمل عدد وافر من البرامج لا يتعدى إحداها 7 دقائق، وتكون لغة الخطابة فيها سهلة تناسب بساطة العديد من الركاب، "رفضنا أي محاولات لعمل إذاعة عادية محتواها خفيف، ما عندناش برامج توك شو أو أغاني شبابية، لكن قررنا إنها تكون إذاعة معلوماتية تثقيفية في المقام الأول".

ضعف الإمكانيات المتبادل لم يتح لفريق عمل "راديو كيميت" بث برامجهم على الهواء، وفقا للمدير التنفيذي للإذاعة، فالمذيعون يقومون بتسجيل أكبر عدد ممكن من حلقات برامجهم ثم إرسالها إلى إدارة المترو تمهيدا لإذاعتها على الجماهير، غير أن تلك البرامج لا يسمعها سوى ركاب خط "الجيزة - شبرا" والخط الثالث بمصر الجديدة، "المعدات عتيقة جدا في خط المرج حلوان، عشان كده لسه مفيش وسيلة نوصل بيها الإذاعة هناك".

يتجاهل "راديو كيميت" كل ما له علاقة بالبرامج السياسية، التي من شأنها الاختلاف بين المصريين، وفقا لـ"راضي"، غير أن ذلك لا يتعارض مع استعانة الإذاعة بباحثين اقتصاديين يفكون طلاسم المصطلحات التي يتعذر على المواطن البسيط فهمها.

الخريطة البرامجية لـ"راديو كيميت"، يجسد حياة المواطن المصري بكافة أشكالها، فذاك هو برنامج يحمل عنوان: "طعم مصر"، يتحدث عن كافة الفنون التي خرجت من نبت الأرض المصرية مثل "السمسمية" و"الكف"، ليرد عليه برنامج آخر يحكي عن شخصية "جحى" ويسرد حكاية من حكايته يوميا، قبل أن يطل ذلك الصعيدي المدعو "محمد شحاتة" ليقدم برنامجا عن عادات "الصعايدة" وتقاليدهم التي يتصدر "الثأر" قائمتها.

محبو البرامج الدينية لهم موعد على "راديو كيميت"، من خلال برنامج بعنوان: "سفراء السماء" يحكي عن أبرز القراء المصريين ويعرض مقاطع مؤثرة لهم في محاولة لصد هجمة المقرئين العرب التي استحوذت على قلوب المصريين، فضلا عن برنامج آخر يحمل عنوان "مقام"، يتحدث عن أهم رموز الفكر الصوفي وأجمل حكايات العشق الإلهي.

الإستوديو الخاص بـ"راديو كيميت"، يمتلكه المخرج الإذاعي محمد مشعل، الذي يزخر تاريخه بعشرات المسلسلات الإذاعية الناجحة، ما سهل على فريق عمل الإذاعة عرض عمل إذاعي نادر بعنوان: "حاضر يا دنيا" من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي، يجد الراكبون فيه سلواهم قبل دقائق من قدوم القطار.

الهدوء يعم أرجاء المكان، شابة ثلاثينية تجلس داخل الأستوديو ممسكة بأوراقها، تستعد لتسجيل أولى حلقات برنامجها فور تلقي الإشارة من مهندس الصوت الجالس بغرفة مقابلة لها، لينطلق صوت "دعاء حلمي" مدويا: "مساء الخير وحمد الله ع السلامة.. أهلا بيكم في حلقة جديدة من برنامج نوستالجيا"، ليعيش معها ركاب المترو دقائق تحاول فيها أن تعرض لهم مواقف مصرية طريفة من الماضي لتستدعي الابتسامة من قلوبهم.

برنامجان إضافيان تقدمهما "دعاء" في الإذاعة، أحدهما بعنوان: "كيميت حول العالم"، يتناول بعض العادات والتقاليد المصرية واختلاف طرق الاحتفال بها حول العالم، وآخر يحمل اسم "سيما مترو" حول السينما وأعلى إيرادات الأفلام بدور العرض السينمائية، ناهيك عن دورها الرئيسي كمتحدث إعلامي للإذاعة، "بحاول أعمل حالة ترويج للراديو عشان أكبر قدر من الناس يعرفوا الفكرة ويدعموها".

المرأة المصرية لم تفقد حظها من برامج "راديو كيميت"، ليس فقط من خلال برنامج عن فنون الطبخ يرضي شغف سيدة مصرية تتأهب للعودة إلى بيتها، ولكن عبر برنامج آخر تقدمه المذيعة "ميادة توفيق" يحمل عنوان: "ست الستات"، يحكي عن سيدات أثرن في تاريخ مصر، إلى جانب وظيفتها كمنسق عام للإذاعة، "مفيش عندنا وقت إننا نتفق مع ضيوف أو نقدم برامج حوارية، لإن مدة البرنامج بتكون قصيرة جدا".

الحديث يعود إلى تامر شعلان، مؤسس "راديو كيميت"، فالشاب المصري يبقى لديه حلم تمويل الإذاعة بشكل أفضل لضمان استمرارها، فلا تزال قدماه تطأ مقرات شركات الإعلان من أجل الاتفاق مع جهة ترعى مشروعه وتدر، في الوقت نفسه، ربحا يزيد دخل الشركة المصرية لمترو الأنفاق، "لو قدرنا نعمل كده هانبقى أفادنا المواطن والبلد، ونحس إن رسالتنا وصلت على أكمل وجه".

 


مواضيع متعلقة