فشلوا مرة تلو الأخرى فى تفكيك الجيش والشرطة والمخابرات والأزهر والكنيسة والقضاء والإعلام والمعارضة، لكنهم سيحاولون مرات أخرى دون يأس؛ لأنهم جادون فى هدم أعمدة الدولة المصرية التاريخية، التى تتحداهم وتُخرج لسانها لهم كل يوم فى مواجهة تشريعاتهم وقراراتهم وتصريحاتهم ومواقفهم وسلوكهم الشاذ، ولا يعنى هذا الإصرار على تدمير هذا البنيان الحضارى الكبير معرفتهم بمتانة أساسات الدولة المصرية وأركانها الفولاذية، فهم أجهل من ذلك بكثير، لكن المؤكد أن بيوت الخبرة الاستعمارية والمخابراتية الدولية هى التى أوحت لهم بذلك أو كلفتهم بتلك المهمة التدميرية مستغلة حقدهم الشديد على الدولة والمجتمع ونزوعهم الانتقامى من كافة عناصر القوة فى الكنانة المصرية، ويعلم أولو الخبرة أنه دون انهيار هذه الأعمدة لن تنجح أى قوة سواء كانت احتلالاً داخلياً أو خارجياً فى التمكين لنفسها أو لعشيرتها، لكن هؤلاء أنفسهم يعلمون استحالة حدوث ذلك؛ لأن السيوف الخشبية لا يمكنها خدش صخور البازلت.
لكل ذلك ستستمر المحاولات ويستمر الفشل، ويصبح الهدف الإضعاف وكسر الهيبة، وتحجيم رصيد المناعة النفسية والوطنية والاجتماعية.. أما المصيبة السوداء فهى فى استخدام الدين فى حرب القضاء على الدولة وتحقير السيادة الوطنية وتصغير الأمن القومى، وتقسيم المجتمع. حتى أصبح الدين والتدين مرادفين للاستبداد والغباء والمكابرة والإكراه والعناد، بالإضافة لحالة غير مسبوقة من شبق السلطة والتسلط.
فخلال شهر واحد، تم تقسيمه لأربعة أسابيع، بدأت بأسبوع الإعلام حصاراً وتخويفاً وتهديداً وترويعاً من مدينة الإنتاج للصحف للبلاغات لنائب عام الإرشاد، وتم تخصيص الأسبوع الثانى للجيش والمخابرات، حيث الشائعات والتصريحات المقززة والمعلومات الكاذبة، ثم تكذيب التصريحات الكاذبة، أما الأسبوع الثالث فقد تفرغت فيه الجماعة وتنظيمها الطلابى لمعركة الأزهر الشريف حصاراً واعتصاماً وتطاولاً خسيساً على الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وكان لا بد للترتيب الجهنمى لعصابة اختطاف مصر أن يتحول الأسبوع الرابع إلى حرب ضروس لتفكيك مؤسسة الكنيسة الوطنية المصرية وكسر هيبتها وترهيب المنتمين لها.
ونستطيع القول إن المحاولات الأربع لتفكيك أعمدة الدولة باءت بالفشل، ولم تجن العصابة -فى تلك الأسابيع- سوى الخيبة والفضيحة ما اضطرهم لاعتذارات مهينة ومذلة، للجيش والمخابرات والأزهر والكنيسة والإعلام، بعد وابل من التصريحات المخرفة، وسيل من الألاعيب والادعاءات وازدواج المواقف ما بين اللغتين العربية والإنجليزية وإطلاق الشائعات وتكذيبها ثم تكذيب التكذيب، ويبدو الأمر كأنهم قد أدمنوا هذه الطريقة بدليل تكرارها حرفياً دون رغبة فى الاستفادة من هذه الخبرة السلبية، ومعها يتكرر سلق التشريعات والقوانين وتمريرها دون -حتى- قراءتها أو إعادة صياغتها بحيث تتفق مع مواد الدستور المسلوق، لتكون النتيجة المتكررة أيضاً هى قبول المحاكم لكل الطعون على كل ما يسلقون، هذا العناد وذلك الإصرار يؤكد كراهيتهم الشديدة للدولة المصرية حتى وهم على رأسها، فقد تعلموا أن الجماعة هى الوطن، وأن معيار الكفاءة فى الطاعة لا فى الإبداع.
إنهم يكرهون كل قديم وعريق وكل بناء صخرى، فبيوتهم كالأكشاك الخشبية سريعة التنقل، أو كخيام الرعاة يتنقلون بها فى مناطق الكلأ الآمن، تحرسهم الكلاب.
فجيش الحضارة المصرية بالغ القدم، عريق التقاليد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، أما الكنيسة المرقسية الوطنية فقد تخطى عمرها التسعة عشر قرناً منذ أتى القديس بطرس للتبشير بالمسيحية أثناء حكم الإمبراطور اليونانى نيرون، فكان أول المؤمنين برسالة المسيح إسكافياً مصرياً فقيراً.
وحينما نتحدث عن الأزهر الشريف فنحن نتحدث عن قلعة للدعوة ومنارة للعلم ومثابة للوطنية منذ ألف وأربعين عاماً، أى منذ تأسس فى 972 للميلاد، كجامع وجامعة، والذى حافظ على التراث العربى الإسلامى بعد سقوط بغداد على يد التتار وفى مواجهة الصليبيين والتتريك العثمانى وحملة نابليون، وفى أروقته تم تشكيل مجلس الديوان، الذى يشبه المجلس الرئاسى المدنى، بقيادة تسعة من قياداته فى فترات مواجهة المحتل.
والحديث عن القضاء فى تاريخ مصر يطول ويطيل القامات الباحثة عن العدل والاستقامة وهيبة القانون، وكذلك الحديث عن أرباب السيف والقلم وأحرار الصحافة منذ قرنين على الأقل، أما هؤلاء الذين ظلوا فى كهفهم ثمانين عاماً وازدادوا خمساً فعمرهم الحقيقى لا يزيد عن سنة واحدة تكررت خمساً وثمانين مرة، وهو ما يجعل العمر العقلى لهم فى مستوى مولود صغير، يعبث بالأشياء محاولاً تحطيمها لا يعبر عن نفسه إلا بالصراخ والعويل، ثم لا يهدأ إلا إذا استقر على صدر أى أم ترضعه، بشرط أن تكون الرضاعة صحية والصدر نظيفاً.