حوار مع صديقى «البطة»

كتب: إسراء عبدالحفيظ

حوار مع صديقى «البطة»

حوار مع صديقى «البطة»

«أنت بطة اختارت أن تعوم فى الوحل فغرقت!».. هكذا يصيح فى وجهك صديقك العميق للغاية الذى لا يصل أحد لمستوى تفكيره ولا يجرؤ أحد على مناقشته وإلا اتُهِمَ بالسطحية. كيف لك أن تناقش عميقاً مثله فى هذيانه المنطقى؟

هؤلاء القوم انتشروا كانتشار الحصبة فى جسد فتاة رقيقة، يتلذذون بجعلك تفكر وتحرق أسلاك مخك وخلاياه فيما لا يفيد، بالإضافة إلى أنك لن تجرؤ على معارضته لأنك ببساطة «بطة اختارت أن تعوم فى الوحل فغرقت» فبالطبع لن تفهم هذا الشيرلوك هولمز.

لا أحد يكسب بالدخول فى هذا الصراع، نوعاً ما صديقك هذا مثقف، ويجيد التلاعب بالألفاظ والجمل ولكن ثقافته هدفها العجرفة واستحقار الآخر، ثقافة حفظ الجُمل المعقدة وترديدها دون داعٍ، الثقافة التى تنهار أمام أول اختبار حقيقى، هذه الثقافة تصلح وسط عائلتك حتى تنبهر بك خالة والدتك وتخبرك بكل فخر أنك مثقف وواعٍ، ولكن جميعنا نعلم أن جمل كافكا وديستويفسكى وغادة السمان لن تجعلك مثقفاً.

ما المفيد فى أن تحولنى لبطة فى غضون ثوانٍ لمجرد أنى أخبرتك بقرارٍ خاطئ فعلته؟ إن كان ذلك صحيحاً فنحن نعيش فى مزرعة مليئة بالبط هكذا..

إنها غريزة بشرية لا يسعنا التخلص منها ولكن بوسعنا ألا نظهرها للعامة ونجعلها بادية على وجوهنا، وهناك أناس يستمتعون بامتداح أصغر ميزة بك وحتى الآن لا أفهم هدفهم من ذلك، ولكن توابع فعلتهم هى خلق جيش من المتعجرفين الذين يظنون أنهم ولدوا ليكونوا قادة للعالم لمجرد الامتداحات الصغيرة التى تأتيهم من مغفلين آخرين.

أتذكر جيداً قصة ذكرها د. أحمد خالد توفيق فى كتابه «فقاقيع» عن رسام لا أحد يشترى رسومه أبداً، فنصحه صديقه فى معرضه المقبل أن يرسم أشياء ليست مفهومة وإن سأله أحد عن هدف أى رسمة يرد عليهم بجملة واحدة فقط وهى «هل تأملت فى حياتك نهراً؟».

من الواضح أننا لن نستطيع أن نعيش فى سلام وسط ناس يظنون أن العجرفة خير سبيل لنيل الإعجاب، والتعقيد حتى فى أبسط الأشياء شىء مطلوب ليُطلق عليك مثقفاً ولكن بوسعك أن تحتوى غباءهم.

وأسلم حل للرد على صديقك الذى يخبرك أنك بطة تعوم فى الوحل هو أن تقول له «أن أكون بطة تعوم فى الوحل خير لى من أن أكون معزة لا تجيد إلا السواقة».


مواضيع متعلقة