هذه مصر يا عبلة!

يتذكر كثيرون مثلى فيلم «الصعود إلى الهاوية» المأخوذ من قصة للمبدع الراحل صالح مرسى ويدور حول فتاة مصرية جندتها المخابرات الإسرائيلية وبعد إعادتها إلى مصر من باريس بجهود مخابراتنا التى نرصد مساعى حثيثة الآن لتقويضها بعد تشويهها قال لها ضابط المخابرات المصرى والطائرة تستعد للهبوط محلقة فوق القاهرة: «هى دى مصر يا عبلة!».. مصر التى كانت لم تعد تدعو لا إلى الفخر ولا إلى استثارة ندم جاسوسة فرطت فى وطنها.. مشاهد المظاهرات التى وصفها قيادى إخوانى بأنها حضارية، أصابت المصريين بطعنة فى القلب وامتلأت صحف العالم بمشاهد عنف «حضارية» مرعبة قام ببطولتها، أو -قل بالدور الرئيسى فيها- ممثلو اليمين الدينى المتطرف المتستر تحت اسم الإسلام.. وقد نجح هذا التيار فى إعطاء صورة مفزعة عن سماحة الإسلام وإيمانه بقدسية الحوار، ناهيك عن قيم الديمقراطية التى طفت بهم إلى سطح المشهد المصرى بعد ثورة يناير.. والأكيد أن أياً من الوجوه التى تطالعنا الآن وتحاورنا بالشوم والمطاوى، فالخرطوش، لم يسبق ورأيناها فى أية مظاهرة احتجاجية ضد النظام السابق ولا فى أيام الثورة كما بات معروفاً.. ووسط هذه الأجواء المحزنة والضبابية حيث يتظاهر الإخوان وحلفاؤهم ضد حكم الإخوان؟!! تسرب على استحياء نبأ وفاة عميدة الطائفة اليهودية فى مصر كارمن فينشتاين عن عمر تجاوز الثمانين عاماً.. أى أنها عاشت قبل ثورة يوليو، ومن ثم فى فترة الستينات، وما أدراك ما الستينات.. عاشت مصرية الوطن، يهودية الديانة ولم تشعر بأدنى تهديد نتيجة هذا الاختلاف على عكس الوضع الراهن حيث لا يستحق الحياة سوى أعضاء جماعة الإخوان وحلفائها.. وتذكرت بهذه المناسبة حواراً دار بينى وبين أصدقاء إعلاميين فى باريس بصدد عنصرية إسرائيل فاستشهدت بأننى كنت ضمن ثلاث فتيات يحملن اسم فريدة فى أحد فصول مدرستى، واحدة مسلمة والأخرى مسيحية والثالثة يهودية، الأديان الثلاثة فى مساحة نحو ستين متراً من أرض مصر الحضارة فعلاً والتاريخ الإنسانى العظيم، قلت أيضاً لأصدقائى أن فنانتنا الكبيرة الراحلة ليلى مراد من أصول يهودية، بل كانت قبل إسلامها «سندريلا الشاشة» المتربعة على عرش القلوب وسألت: هل يمكن أن تحتل فنانة فلسطينية فى إسرائيل ذات المكانة التى شغلتها ليلى مراد فى مصر؟ وطبعاً لم يحر أى منهم جواباً وقد نصحتهم بقراءة كتاب زميلنا العزيز محمود قاسم عن الممثل المصرى وكيف يزخر بفنانين من الديانات السماوية الثلاث عندما كانت الكفاءة والموهبة هى المعيار، كيف إذن لا نشعر بالحسرة وقد بدأت بشائر الخير الذى تحمله جماعة الإخوان فى مصر تتجلى يوماً بعد يوم حتى وصلنا إلى مشاهد حرق الوطن يوم الجمعة الفائت، بدعوى تطهير القضاء وهو ما يشى بأن التهديد «بأننا حنولع مصر»، له خطط مرسومة والغريب أن عدداً كبيراً من المتحمسين لتطهير القضاء والذين تم شحنهم فى أوتوبيسات الإخوان كانوا يتحدثون عن دافعهم للمشاركة فى المليونية والذى يختلف تماماً عن الهدف من حشدهم، المهم إننا نشاهد خطة تقويض الدولة المصرية كما عرفنا وكما قاومنا كل من خان أمانتها.. ومع ذلك كانت مصر وصورتها الحلوة لدرجة أن الجاسوسة، مديحة كامل، بكت والضابط العبقرى الذى استدرجها، محمود ياسين، يقول لها: «هى دى مصر يا عبلة»!! وهى بالتأكيد غير مصر التى يحكمها من وصلوا إلى الحكم برفع شعار الإسلام، متى تعود أيامنا الحلوة؟!