«الوعد الإلهى»: الاستعلاء على الناس بالجهل

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

«الوعد الإلهى»: الاستعلاء على الناس بالجهل

«الوعد الإلهى»: الاستعلاء على الناس بالجهل

فى الفصل الرابع من كتابه يناقش الدكتور أسامة الأزهرى فكرة احتكار الوعد الإلهى والاستعلاء به على الناس، ما يؤدى إلى عقلية غارقة فى إنكار الواقع وتكفير المسلمين جميعاً، يقول: «لقد ترتب على تكفير المجتمع بقضية الحاكمية وتعميم وصف الجاهلية التى هى شرك وارتداد على عموم الإسلام، أن نشأ تصور آخر فى غاية الغرابة، ألا وهو أن تلك الجماعات استلبت لنفسها حق الحكم على الناس بالكفر، ثم التفرد دونهم بامتلاك حقيقة الإسلام، واستسهال تكفير الأمة كلها، ثم انطلقوا فى كل آية فيها وعد من الله تعالى للمسلمين بالمعونة والنصرة والتمكين، فصرفوها إلى أنفسهم هم، وادّعوا أنهم المخاطبون بها، فجعلهم هذا الوهم يزدادون اندفاعاً وتمادياً فى التشبث بالتكفير، وزادهم جلَداً وشراسة فى الخروج على المسلمين بالبغى والعدوان والقتل والدماء، وكلما اصطدموا بالمسلمين وشعوبهم ودولهم ومؤسساتهم، وكلما رد المسلمون عن أنفسهم عدوانهم أمعنوا هم فى إنكار الواقع لما يتوهمونه من امتلاك وعد إلهى يخصهم دون غيرهم بالنصر، ويجعلهم غير متقبلين لفكرة التخلى عن وهمهم هذا».

{long_qoute_1}

ويوضح «الأزهرى»: «إننا أمام سجل حافل بتصورات مغلوطة، صنعت إنساناً موتوراً عدوانياً، لا همّ له ولا مقصد سوى الانقضاض على المسلمين بالتكفير، مع تصور بحتمية الصراع الأبدى، وهو يستجلب لنفسه الثقة فى وهمه هذا بتصنيع نظرية أخرى، ألا وهى أنه يستهين بكل تلك الصعاب، ويرفض القناعة والتصديق بأنه غارق فى الوهم، بسبب عقيدة راسخة عنده، يدّعى فيها أن وعود الله تخصه هو، لأنه وحده دون أولئك المسلمين هو المستحق لوصف المسلم، فمن المخاطب بالوعد الإلهى سواه؟! إنه هو المقصود فى نظر نفسه بذلك الوعد الإلهى الذى لا يتخلف».

ويضيف: «بدأت تلك التيارات المتطرفة فى صناعة سيل من الأدبيات والقصائد والبطولات والملاحم التى وقعت بسبب تعديهم على المسلمين فيعتبرونها تاريخاً مجيداً فى الصبر والثبات، مع سيل من الإسقاطات لآيات كريمات تتحدث عن فئات قليلة غلبت فئات كثيرة بإذن الله فينطلق لتلك الآيات ويحملها على نفسه، ويجعل من نفسه المقصود بذلك الوعد بالنصرة، بينما هو معتد على حرمة القرآن وآياته، منتهك لجلالها بتأويل مظلم، وتحريف لدلالتها، وبينما هو منغمس فى المجتمع بالتكفير والعدوان، خارج عليهم بالبغى والسلاح، ساع فى تدمير مؤسساتهم ومجتمعاتهم وينزل بالقلوب والعقول المرارات إذا هو فى أعماق عقله وقرارة نفسه متشبث بوهم كفر المجتمع وأنه الوحيد المؤيد بالوعد الإلهى».

ويستطرد: «النتيجة الخطيرة المبنية على ذلك هى عدم قبوله للمناقشة فى وجود خطأ عنده، لأنه توحد بالوعد وامتزج به، فقيامك بالتشكيك فى أهليّته واستحقاقه يقابل منه بالرفض التام لأنه يعنى فى ذهنه التشكيك فى الوعد الإلهى ذاته، وقد سمعنا بأذننا من يتكلم عن نجاح فلان فى الحكم أو عدم نجاحه بأن هذا شك فى الله تعالى، فهو يخلط بين قوة يقينه فيما يعتقده، وبين مدى الأهلية والكفاءة والخبرة والعلم والمعرفة، فيجعل قوة اليقين عوضاً عن عمق الخبرة، ويظن أن قوة يقينه فيما يعتقد تجبر الخلل فى المقدرة والخبرة، فيخرج بذلك عن سنن الله فى كونه وقوانينه فى عباده، ويخلط الأمور، وكلما أنكر الناس عليه قلة خبرته وعدم درايته، استعلى عليهم ورجع يفتش فى نفسه فيجد أنه مستند إلى يقين عميق فى وعد إلهى يخصه، وإلى تاريخ من الأدبيات والملاحم فيجزم بأنه مستكمل لأدوات النجاح، وهو فى الحقيقة فاقد لها منكر ومكابر فى دعواه بامتلاكها».

ويوضح الأزهرى: «إنه لبس مفاهيمى وذهنى تُمتهن فيه الآيات القرآنية بتأويلات منحرفة مما يصنع نموذجاً إنسانياً مدمراً للكون وهو يظن أن يسعى بالهداية»، وضرب «الأزهرى» نموذجاً بقول سيد قطب فى تفسير الظلال: «الوعد بالنصر والغلبة والتمكين، هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضى هذه الكواكب والنجوم فى دوراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار فى الأرض على مدار الزمان، وكما تنبثق الحياة فى الأرض الميتة ينزل عليها الماء، لكنها مرهونة بتقدير الله يحققها حين يشاء».


مواضيع متعلقة