عودة الحياة لـ«البطرسية».. والأقباط يواجهون الإرهاب بالترانيم.. وأجراس الكنيسة تدق مجدداً

كتب: مصطفى رحومة

عودة الحياة لـ«البطرسية».. والأقباط يواجهون الإرهاب بالترانيم.. وأجراس الكنيسة تدق مجدداً

عودة الحياة لـ«البطرسية».. والأقباط يواجهون الإرهاب بالترانيم.. وأجراس الكنيسة تدق مجدداً

أسبوع من الآلام مر على «البطرسية»، تلك الكنيسة الأثرية القائمة منذ أكثر من مائة عام، والملحقة بالكاتدرائية المرقسية فى العباسية، حيث استهدفها الإرهاب الغاشم، قبل 7 أيام، فى أثناء احتشاد الأقباط للصلاة فى قداس الأحد، لتغطى آثار التفجير وغباره، على أدخنة البخور، ويقطع دويّه أصوات الترانيم والتسابيح والدعاء. {left_qoute_1}

بالأمس، عادت أجراس «البطرسية» تدق، وعادت الترانيم تتردد داخل الكنيسة، والبخور يرتفع من جديد، فالحادث الغاشم لم يمنع الأقباط والكنيسة، من الدعاء والصلاة وإقامة «قداس الأحد»، رغم القلوب التى ما زال الألم يعتصرها، والغصة التى فى الحلوق. على كراسى قاعة «ميريت» الملحقة بـ«البطرسية»، تراص الأقباط رجالاً ونساءً، شباباً وشيباناً وأطفالاً إلى جوار بعضهم البعض، فى الأحد الثانى من شهر كيهك المعروف بـ«الشهر المريمى»، فيما وقف القس أنطونيوس منير، راعى الكنيسة أمام المذبح يقرأ الإنجيل، من الإصحاح الأول فى إنجيل لوقا، عن البشارة بميلاد السيد المسيح، وتسلم العذراء المهمة الخطيرة التى كُلفت بها بكل اتضاع وهدوء وطاعة لله، إلا أنه لم يلقِ العظة كما جرت العادة.

الصلوات داخل الكنيسة لم تنقطع منذ الحادث، فقد فتحت أبوابها الثلاثاء الماضى فى اليوم الثالث من وقوع التفجير الإرهابى، لإقامة قداس الجنازة على الشهيدة الـ24 التى سقطت فى الحادث «إنجيل أنور» التى توفيت إثر إصابتها فى التفجير، ثم عاد القداس الجنائزى للانعقاد مرة أخرى الجمعة الماضى للصلاة على جثمان «أوديت صالح» الشهيدة الـ25 فى الحادث، التى توفيت بعد أيام من إصابتها، وإجراء 3 عمليات جراحية، إلا أنها اختارت أن ترتقى، وبين القداسين، أقام خدام الكاتدرائية والكنيسة اجتماع صلاة، لتأبين الشهداء والدعاء للمصابين بالشفاء.

فى محيط الكنيسة من الخارج، انتشرت قوات الأمن وكثفت من وجودها، وطوقت الكنيسة، فيما انشغل بعضهم فى تمشيط المنطقة لتأمين الكاتدرائية التى يوجد فيها المقر البابوى، وفتحت أبوابها للأقباط، فيما منع دخول الصحفيين والإعلاميين والمصورين.

تمركزت سيارة أمن مركزى أمام الكنيسة البطرسية، وتوافد عليها الأقباط منذ السابعة صباحاً للحاق بالقداس فى تحدٍّ للإرهاب بالصلوات، وبجوار بابها تمركزت سيارة شرطة داخلها بعض المجندين، وفى شارع رمسيس المواجه للباب، انتشرت الصدادات الحديدية، فيما تم إغلاق بعض الشوارع الجانبية. كان الأقباط يتمتمون بالصلوات، فيما تتنامى إلى مسامعهم أصوات خلية النحل التى تعمل فى الكنيسة، لإزالة آثار التفجير الانتحارى، خلية من رجال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، تسابق الزمن، للانتهاء من عملية ترميم الكنيسة وإعادتها إلى أبهى صورها، بناءً على تكليف الرئيس عبدالفتاح السيسى، بالانتهاء من ترميمها خلال 15 يوماً. جلس عميد بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة، مرتدياً زيه العسكرى، يتابع العمال الذين انهمكوا فى العمل اعتباراً من الجمعة الماضى لمدة 16 ساعة يومياً، حيث يبدأ عملهم فى السابعة صباحاً وينتهى فى الحادية عشرة مساءً كل يوم. يرفض العمال ومعظمهم من المسلمين، التحدث للإعلام بناءً على أوامر القائد العسكرى والمشرفين الفنيين بالموقع، إلا أن «الوطن»، علمت أن عملهم فى الكنيسة يقتصر على تجديد أبواب الكنيسة التى دُمرت وإزالة السقف الخشبى الذى أخذته القوة التفجيرية إلى أعلى، ولو كان من «الخرسانة»، لوقعت مجزرة كبرى، لأن القوة التفجيرية كانت ستتمدد فى المكان وتزيد من أعداد الضحايا، ويتولى العمال تركيب سقف آخر بديلاً للمُحطم من الخشب أيضاً. وقال أحد العمال إنهم سيعدون ويجهزون «الدكك» الخشبية فى الكنيسة للصلاة، ويركبّون زجاجاً للنوافذ، ويغيرون أرضيات الكنيسة، والستائر على المذبح والهيكل، ويزيلون آثار اللهب والاحتراق، على أعمدة الكنيسة وجدرانها، الناجمة عن نيران الانفجار.

نصبت الهيئة الهندسية، «السقالات» داخل قاعة الكنيسة المبنية على الطراز البازيليكى، ويبلغ طولها 28 متراً وعرضها 17 متراً، وانهمك العمال فى عمليات الترميم للسقف الخشبى للكنيسة والأرضيات ودهان الجدران بعد الاتفاق على عدم إزالة آثار حُفر «بلى» الحزام الناسف من الأعمدة الرخامية الموجودة فى جانبى الكنيسة، أو تغيير أرضية الكنيسة من الجهة اليمنى الخلفية بالكنيسة التى وقع فيها التفجير، لتكون شاهدة على الحادث الإرهابى وذكرى للشهداء الذين راحوا جراء العمل الغادر.

من جانبه، قال مصدر كنسى، طلب عدم ذكر اسمه، إن لوحات الفسيفساء والرسومات التى تعلو الأعمدة الرخامية، لن يتم البدء فى ترميمها حالياً، فى انتظار استقدام متخصصين من الخارج وخبراء فى عمليات ترميمها، ومن المتوقع أن تأخذ وقتاً كبيراً، بعد أن سقطت أجزاء من لوحات الفسيفساء. والصور الفنية التى تعلو الأعمدة الرخامية، ترجع إلى الإيطالى «بريمو بابتشيرولى»، الذى أمضى 5 سنوات فى تزيينها ورسمها، وتمثل مراحل مختلفة من حياة المسيح والرسل والقديسين، ولوحات الفسيفساء التى صاغها الكافاليرى أنجيلو جيانيزى، من فينسيا، ومنها «فسيفساء التعميد»، للمسيح ويوحنا المعمدان فى نهر الأردن، وأخرى فى قبة الهيكل للمسيح على العرش، وعن يمينه السيدة العذراء وعن يسار «مارمرقس الرسول» مؤسس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

وأوضح المصدر أن عمليات الترميم تركز حالياً على تهيئة الكنيسة والتأكد من سلامة الأبنية من الناحية الإنشائية، وهى المرحلة التى سيجرى الانتهاء منها خلال أسبوعين، لتكون الكنيسة بعدها مهيأة لإقامة صلوات عيد الميلاد المجيد بها، وقداس «الكريسماس» فى رأس السنة الميلادية الجديدة. بنبرة ممزوجة بالحزن، أبدى مينا ريمون، شاب فى العقد الثانى من العمر، محاسب، امتنانه للعمل الذى يتم على قدم وساق داخل الكنيسة، لإعادتها إلى سابق عهدها، على يد رجال القوات المسلحة.

وقال لـ«الوطن»، إن «البطرسية» القريبة من بيته، هى كنيسته التى تربى فيها وكبر على مدار 25 عاماً، هى كل عمره فى الدنيا، ويوم الحادث، لم يحضر القداس، وكان فى منزله وعندما سمع صوت الانفجار هرول إليها ليجد المصلين جثثاً ملقاة تسيل منهم الدماء وأشلاؤهم فى كل مكان.

أضاف: «لا أستطيع أن أتصور أننى لن أرى مرة أخرى عم نبيل حبيب، خادم الكنيسة الذى استشهد فى الحادث، فقد عشت معه لحظات الحزن والفرح»، وأكد أنه لم يذق النوم بعد الحادث لثلاثة أيام، من هول الصدمة والدماء التى عاينها داخل الكنيسة، وظل عقب التفجير هو وأصدقاؤه داخل مبنى البطرسية لمدة يومين لحراستها، إلى أن تسلمتها قوات الشرطة والجيش.

وفى الوقت الذى تعود فيه الحياة إلى الكنيسة البطرسية، يقبع 23 مصاباً من حادث الكنيسة البطرسية، داخل المستشفيات المختلفة يتلقون العلاج منذ أسبوع، بينهم ثلاث حالات حرجة. ومن جانبها، كذبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى بيان رسمى، على لسان القس بولس حليم، المتحدث باسمها، الأنباء التى ترددت عن إلغاء احتفالات عيد الميلاد هذا العام حداداً على ضحايا الحادث الإرهابى، مشيراً إلى أن الكنيسة مستمرة فى الاستعداد لإقامة تلك الاحتفالات فى موعدها.


مواضيع متعلقة