ميراث المرأة «التائه» بين «حبال القضاء» وذريعة العادات

كتب: هدى رشوان وسلمان إسماعيل

ميراث المرأة «التائه» بين «حبال القضاء» وذريعة العادات

ميراث المرأة «التائه» بين «حبال القضاء» وذريعة العادات

عادات وتقاليد ما أنزال الله بها من سلطان، تمسك بها البعض فى الصعيد وتذرعوا بها لحرمان المرأة من الميراث، فيما تجاهلوا التشريع السماوى الذى أفرد الله له آيات كاملة فى القرآن الكريم، هى «المواريث» لتفصيل كيفية توزيعه فى دقة وحسم، وهو ما أقره القانون الوضعى، إلا أن المصالح والطمع والعزوة، فضلاً عن عدم وجود آلية وعقوبات رادعة وملزمة، كانت وراء حرمان الكثير من النساء من هذا الحق، اللاتى يرفض الكثير منهن اللجوء فيه إلى المحاكم، إن لم يكن حرصاً على «علاقة الدم»، فهو لأن القضاء «حباله طويلة» ولا يُجبر الممتنع ولا يلزمه بتوزيع الميراث.

ووفقاً للإحصائيّات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل، فإن عدد القضايا التى يقيمها الآباء أو الأبناء والأشقاء ضد بعضهم البعض تصل إلى 144 ألف قضية سنوياً، إضافة إلى 2750 قضية أخرى (حجر لعدم الأهلية) للتصرف فى الممتلكات.

وكانت إحدى تلك القضايا، خاصة بـ«نورا»، فرغم أنها سيدة أعمال وزوجها قاضٍ، إلا أنها تعانى يومياً من عنف إخوانها، وتعنتهم معها وحرمانها وإخوتها البنات من ميراث والدهم، الذى تتعدى قيمته 5 ملايين جنيه، فلا يحصلن منه إلا على القليل من العطايا والهبات السنوية فى صورة «أجولة من القمح» فى المواسم والأعياد.

وعندما تجرأت سيدة الأعمال المتعلمة فى المطالبة بحقها وحصلت على حكم قضائى بميراثها، لم تستطع تنفيذه، فى ظل سيادة عرف الأسرة والقبيلة فى الصعيد.. «الوطن» تفتح فى السطور التالية ملف حرمان الأنثى من الميراث فى الصعيد، ومحاولة مشروع قانون العنف ضد المرأة، حل الأزمة بتشديد عقوبة حرمانها.

{long_qoute_1}

لم تكن «رشا» تتخيل فى أسوأ كوابيسها أو السيناريوهات المتوقعة لمستقبلها، فى فترة الجامعة التى راحت تنسج فيها الأحلام الوردية والمستقبل المحفوف بالورود، أن ينتهى بها المطاف حبيسة منزل فخم فى مظهره، لكنه سجن كبير لأحلامها وخططها البسيطة المشروعة.

قاومت كثيراً قبل أن تقع فريسة للأعراف التى لا تعترف بحق الفتاة فى الانطلاق وإثبات الذات، وأنها فى كثير من الأحيان تفوقت على الرجل فى مجالات العمل المختلفة، وانتهى بها المطاف إلى الزواج خضوعاً لرغبة والدها من أحد كبار الملاك، الحاصل على الشهادة الإعدادية. سنوات من الحرمان والعوز عاشتها فى منزل زوجها، الذى يحسدها عليه عامة الناس، الذين لا يعلمون مدى بخل الرجل، ولو أن الأمر توقف عند هذا البخل فربما استطاعت أن تتكيف معه، وتعتاد عليه، وتنسى حياة الترف والرفاهية التى عاشتها فى بيت والدها قبل أن يزفها إلى ذلك «السادى»، حسب إحدى صديقاتها التى طلبت عدم ذكر اسمها، الذى لا يتورع عن إيذائها بالضرب ويسىء معاملتها. شعر والدها أنه أذنب فى حقها، فكان يغدق عليها من أمواله حتى يعوضها عن هذا التقتير الذى تعيشه وتعانى ويلاته، ولم يدر بخلده ولو لمرة أن يخلصها من هذا العذاب بانفصالها عن هذا الزوج غير المتكافئ معها لا فى التفكير أو مستوى التعليم والخبرات.

{left_qoute_1}

زاد الأمر تعقيداً أنها أنجبت أطفالاً من هذا الزواج القهرى، ما دفعها إلى السكون والحرص على مستقبل أولادها، ولكن مسار الأمور تغير بوفاة والدها، وانقطاع مساعداته الشهرية التى كان ينفقها عليها، وعندما لم تستطع الاستمرار فى هذه الحياة المريرة، طلبت الطلاق وأخذت أطفالها وعندما طالبت بحقها الشرعى فى ميراث والدها الذى يقدر ببضعة ملايين من الجنيهات بخلاف مساحات من الأراضى المعروضة للبيع فى سوق العقارات، لم تجد من يصغى إليها، ويُمكنها من الحصول على حقها فى الميراث. لجأت «رشا» للإقامة عند خالتها ورفعت دعوى أمام القضاء لعله ينصفها، ولكن إخوتها الذكور أجبروها على التنازل عن القضية وعدم التفكير فى الأمر من باب أن المرأة لا يجوز لها المطالبة بحقها فى الإرث، وكنوع من الضغط النفسى عليها أخذوا أبناءها وأعادوهم إلى والدهم، وهو ما اضطرها إلى العودة لعصمته وتمضية باقى عمرها فى هذا العذاب النفسى والتجويع والحرمان.

قالت صديقتها، التى روت قصتها لـ«الوطن»: «رشا مكانتش عايزة غير شقة فى بيت أبوها، وإيراد محل من المتأجرين تصرف منه على أولادها ويكون ليها كيان مستقل».

{long_qoute_2}

حالة من الحيرة والاغتراب تعيشها سعاد صاحبة الـ50 عاماً، حيث وفدت إلى القاهرة قبل 30 سنة عندما تزوجت أحد أبناء عمومتها، ولكنها لا تستطيع العودة إلى أسيوط كالسابق. قالت «سعاد»، لـ«الوطن»: «أبويا وعمى كانوا عايشين فى بيت واحد، ولما ماتوا وأنا اتجوزت ابن عمى، وجينا على القاهرة، واستقرينا هنا، وأخويا هد البيت وبناه كله على بعضه، واحنا مكانش معانا فلوس نشارك فى البناء، وهو لم يطلب منا فلوس، لكننا اتفاجئنا بعد كده أنه زوج أولاده كلهم فى البيت، وماعدش فيه حتى أوضة أقعد فيها أنا وجوزى وعيالى لما نسافر البلد». تشاورت «سعاد» مع زوجها فى الموضوع، للوصول إلى حل دون إثارة أى مشاكل، واتفقا على أن تطالب شقيقها بثمن حق زوجها فى البيت، على أن تتنازل عن نصيبها هى من إرث أبيها، أضافت: «قلنا نشترى بحق جوزى حتة أرض قريبة من نفس البيت، ونبنيها ويكون لينا مسكن خاص فى البلد، لأن إحنا مش موظفين هنا، ولا عندنا مصدر رزق ثابت ومُعرضين فى أى وقت نرجع بلدنا». تابعت «سعاد»: «عندما وصل أخى هذا الكلام، ثار ثورة كبيرة ورفض إعطاءنا مليماً واحداً من حق زوجى أو حقى، وأبلغنا عن طريق الوسيط أن البيت هو نتاج شقاه وشقى أولاده، وليس لنا حق فى طوبة واحدة من حيطانه، لا أنا ولا زوجى، ومنذ ذلك الوقت أصبحنا عاجزىن عن السفر إلى البلد إلا فى المناسبات، ولا توجد أوراق تثبت حقنا فيه لأن زمان ما كانش فيه حد بيعمل عقود للبيوت، وكمان هو دخل الكهرباء باسمه ومر عليه أكتر من عشرين سنة، وكده يبقى البيت ملكه بوضع اليد». وعن إمكانية مقاضاة أخيها، قالت: «دمنا واحد ميصحش أقاضيه».

{long_qoute_3}

تزوجت «كريمة. م» من عامل فى المستشفى العام بمدينة القوصية، كان يمتلك أرضاً زراعية توفر له عيشاً ميسوراً، إلا أنها لم ترزق منه بولد، وأنجبت 4 من البنات، إلا أن البنات فى ذلك المجتمع همٌّ لـ«الممات»، وفقاً للرجل الذى عاش حياته يحلم بإنجاب الولد الذى يرث أرضه ويُفلحها من بعده، حتى مات قبل أن يتحقق هذا الحلم. ولأن «كريمة»، لم تنجب ولداً، استولى أشقاء زوجها على ميراثه، وباعوا منزله بعد أن طردوا الزوجة منه، ما اضطرها للانتقال إلى منزل والدها ميسور الحال، وعاشت فى كنفه مع بناتها الأربع، إلا أن الحياة تأبى إلا أن تقسو عليها مرة أخرى، حيث توفى الأب العطوف، لينقض إخوتها الذكور على ميراثه، ويقسمونه فيما بينهم، ويبيعون منزل والدهم ليحرموا الأرملة مرة أخرى من حقها فى إرث أبيها الوفير. بين عشية وضحاها، وجدت الأرملة نفسها فى الشارع دون مأوى، وضاقت عليها منازل إخوتها، فلم يقبل أحد منهم أن يكفلها وبناتها الأربع، لأنه لا أحد يطيق تحمل أعباء معيشتهن ومتطلبات تعليمهن وتجهيزهن للزواج.

فى مدخل عمارة بمدينة القوصية تعيش «كريمة» وبناتها، ولا تملك إلا سريراً وضعته تحت سلم العمارة تنام عليه مع أطفالها وتقتات على صدقات المحسنين، حتى إنها لا تجد مكاناً لقضاء حاجتها إلا فى المسجد القريب من العمارة أو بيت من بيوت الجيران. لا تستطيع العمل ومفارقة بناتها اللواتى لا يدرين ما يجرى ولا يعلمن أن سنوات طفولتهن التى لا تتعدى 10 سنوات هى أجمل السنوات، فهن لا يعين معنى وضعهن الحالى، وما ينتظرهن فى المستقبل، فلم تجد الأم بداً من إرسال أكبر بناتها التى بلغت لتوها 10 سنوات من العمر بعد عودتها من المدرسة لتعمل فى بيت أحد الميسورين من سكان المدينة مقابل بعض الطعام والمال، الذى يساعدهن فى الاستمرار فى الحياة والالتحاق بالمدرسة ليتعلمن. لم تفكر السيدة فى المطالبة بحقها فى ميراث زوجها، أو والدها فهى تعى مخاطر ذلك وأنها لن تحصل على شىء وستضطر تحت التهديد للتنازل عن أى دعوى تقيمها أمام المحاكم، هذا إن وجدت أتعاب محامٍ يتولى القضية.

الأب وزع أمواله على الذكور.. و«زينب» ماتت لعدم امتلاكها ثمن «قوقعة للأذن»

ستة من الأبناء كانوا يجلسون على مائدة واحدة لتناول طعامهم، يلعبون ويمرحون معاً فى طفولتهم، ولم يكن يفرق بينهم شىء سوى أن نصفهم من الذكور، وقرار اتخذه والدهم بعد أن كبروا، فما إن زوّج البنات والأولاد، حتى قرر الأب أن يقسم ممتلكاته على أبنائه الذكور، ويحرم البنات من حقهن، لأنه وفقاً لبيئته التى نشأ فيها لا مجال لتوريث البنات. 20 ألفاً، كانت كل ما منحه الأب، لكل واحدة من بناته كهدية منه، وظن بذلك أنه قد أدى رسالته تجاههن، وببذخ، ولم يخطر بباله أن أولاده سيرفضون المكوث معه فى البيت الكبير، ليتولى أحدهم خدمته ورعايته، وفى الوقت الذى مرض فيه لم يجد من يسهر بجواره إلا بناته اللائى قسمن الأيام بينهن بالتناوب حتى خرجت روحه وفارق الحياة. «زينب.أ» كان زوجها فقيراً لا يملك من سبل الرفاهية شيئاً، ولم يكن من اللائق أن يطالب بأى مستحقات من ميراث زوجته حتى لا يقول الناس إن الرجل يريد أن يعيش على مال زوجته. ولم تكن على وفاق دائم مع زوجها إذ كان يكثر من ضربها وإهانتها فتلجأ إلى أحد إخوتها الذكور فتمكث عنده فترة ثم تعود إلى بيتها وأولادها، واشتد عليها الفقر والعوز إلى أن أصيبت بمرض فى أذنها فهرعت إلى الطبيب الذى أخبرها بحاجتها إلى زراعة قوقعة، وأخبرها أن هذه العملية مكلفة مادياً، إلا أن إمكانيات زوجها لم تكن تساعده على تحمل هذه التكاليف، وعندما لجأت إلى أشقائها، رفضوا مساعدتها فى تكاليف العملية واحداً بعد الآخر، مع أن قيمة ميراثها الشرعى، إذا ما حصلت عليه، كانت ستتعدى الـ4 ملايين جنيه، إلا أن أحداً لم يقبل أن يتكفل بعلاجها ولو من باب الشفقة وصلة الرحم، فظلت «زينب» تهذى وتعانى من هلوسات سمعية وبصرية إلى أن ماتت حزناً على حالها وقلة حيلتها.


مواضيع متعلقة