«تيران وصنافير».. معركة القانون والسياسة بين مصر والسعودية

كتب: أحمد ربيع

«تيران وصنافير».. معركة القانون والسياسة بين مصر والسعودية

«تيران وصنافير».. معركة القانون والسياسة بين مصر والسعودية

منذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التى وقعت بين البلدين فى 9 أبريل الماضى، أثناء زيارة العاهل السعودى الملك سلمان لمصر، وما ترتب على الاتفاقية من إعلان مصر رسمياً سعودية جزيرتى «تيران وصنافير»، وهناك معركة بين النظام والرأى العام، معركة لها جانبان، الأول سياسى، والثانى قانونى، ولا تزال المعركة قائمة.

السؤال الذى يفرض نفسه هنا، قبل أن نرصد بداية المعركة ومراحلها وصولاً للمرحلة التى هى عليها الآن، هل خسرت الحكومة معركة «تيران وصنافير» أم أنها ربحت؟

{long_qoute_1}

سياسياً، أثار توقيع الاتفاقية حالة من الجدل والانقسام بين النخب وأعضاء مجلس النواب، ووصلت حالة الانقسام إلى أبناء الوطن الواحد، فتظاهر المعارضون للاتفاقية، وتم حبسهم، بينما تظاهر المؤيدون لها رافعين علم السعودية دون أن يمسهم سوء أو عصا الأجهزة الأمنية.

وعلى الصعيد الخارجى أصبحت الأزمة ترمومتراً لقياس العلاقات المصرية السعودية عقب الخلاف بين الدولتين مؤخراً بسبب وجهات نظر كل منهما تجاه الأزمات الإقليمية سواء فى سوريا أو اليمن.

{long_qoute_2}

قانونياً، بدأ عدد من المحامين، على رأسهم خالد على، فى إقامة دعاوى قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة، لإلغاء الاتفاقية، وتمكن «على» ومعه 182 آخرون من الحصول على حكم من محكمة القضاء الإدارى، فى 21 يونيو الماضى، ببطلان الاتفاقية، لتخسر الحكومة أول جولة فى المعركة القانونية بشأن الجزيرتين.

وجاء منطوق الحكم كالتالى: «قبول الدعويين شكلاً وبطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة فى أبريل سنة 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البرى المصرى وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهما وحظر تغيير وصفهما بأى شكل لصالح أى دولة أخرى». {left_qoute_1}

وأكدت المحكمة فى حيثيات حكمها أن الفقرة الأخيرة من المادة 151 من الدستور تنص على أنه: «لا يجوز إبرام أى معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة».

لم تعترف الحكومة بخسارة المعركة وأصرت على خوضها للنهاية لاستنفاد جميع الطرق القانونية فى القضية، فسارعت بإقامة طعن على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، وأخرجت ما لديها من وثائق ومستندات، كانت ترفض تقديمها فى الجولة الأولى أمام محكمة القضاء الإدارى، لإثبات سعودية الجزيرتين.

بالتوازى مع هذا الطعن الذى تم حجزه للحكم بجلسة 16 يناير المقبل، لجأت الحكومة لإقامة استشكالين لوقف تنفيذ حكم القضاء الإدارى بمصرية «تيران وصنافير»، الأول أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، وحصلت على حكم قضائى لصالحها باعتبار اتفاقية ترسيم الحدود عملاً من أعمال السيادة ولا يجوز للقضاء التصدى لها، والثانى استشكال أمام محكمة القضاء الإدارى التى أصدرت الحكم وتم رفضه.

المسار القانونى للقضية لم يقف عند هذا الحد، وإنما لجأت الحكومة إلى تصعيد القضية إلى أعلى الجهات القضائية، «المحكمة الدستورية العليا»، وأقامت منازعتى تنفيذ لوقف تنفيذ حكم القضاء الإدارى، مستندة فى ذلك إلى سابق صدور أحكام من «الدستورية العليا» تعتبر الاتفاقيات الدولية عملاً من أعمال السيادة، وما زالت الدعويان بهيئة مفوضى المحكمة الدستورية العليا وتحدد لهما جلسة 8 يناير المقبل لنظرهما.

ووفقاً لخبراء قانونيين، فإن قضية «تيران وصنافير» لن تنتهى حتى ولو خسرت الحكومة الجولة الثانية أمام المحكمة الإدارية العليا، ووفقاً لما قاله المستشار رفيق شريف، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، المسئول الأول للدفاع عن الحكومة فى تلك القضية، فإنه فى حال صدور حكم من «الإدارية العليا» بتأييد حكم «القضاء الإدارى» واعتبار الجزر مصرية، فإن الخطوة الأخيرة ستكون إقامة دعوى تنازع أحكام أمام المحكمة الدستورية العليا لوجود تناقض بين هذا الحكم والحكم الصادر من محكمة الأمور المستعجلة لصالح الحكومة.

المعركة القانونية إذن ستكون كلمة النهاية فيها للمحكمة الدستورية العليا، وليس فى الحكم الصادر من مجلس الدولة، فى الوقت الذى سيظل فيه موقف مجلس النواب من التصديق على الاتفاقية معلقاً لحين انتهاء المعركة داخل ساحات المحاكم.

هل بحكم «الدستورية العليا» سيتم حسم المعركة؟

فى حال تأكيد المحكمة مصرية الجزيرتين، سينتهى دور مجلس النواب، ولن يتم عرض الاتفاقية عليه، وفى حال الأخذ بأن الاتفاقية عمل سيادى وأن مجلس النواب هو صاحب الكلمة النهائية فيها، سنكون أمام خيارين، الأول التصديق على الاتفاقية بسعودية الجزيرتين، أو رفض التصديق عليها، وفى حال الرفض لن يكون أمام المملكة العربية السعودية سوى اللجوء إلى سيناريو التحكيم الدولى لمقاضاة مصر والحصول على الجزر.

الموقف السياسى لتلك القضية كانت له تداعيات كثيرة، بسبب المعالجة الخاطئة له من جانب النظام سواء فى تقديمه للرأى العام أو توقيت إعلانه خلال زيارة الملك سلمان لمصر، وذلك بحسب قول الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«فهمى» يرى أن مصر خسرت سياسياً بسبب معالجتها هذا الملف سواء فى توقيت إعلانه أو تقديمه للرأى العام، ولكنها سرعان ما تداركت أخطاءها بعد وصول الملف إلى ساحة القضاء، ليقول كلمة الفصل فيه، وحسناً فعلت مصر بعدم حسمها هذه الأزمة انتظاراً لحكم القضاء، خاصة بعد أن تحولت أزمة الجزر إلى ترمومتر فى العلاقات السياسية بين مصر والسعودية، وتحول من ملف قانونى إلى ملف يتم استخدامه من قبل السعودية للضغط على مصر فى ظل ما يروج له الأمير محمد بن سلمان، ولى ولى العهد السعودى ووزير الدفاع ونائب رئيس مجلس الوزراء السعودى، بأنه هو الذى استطاع استعادة الجزيرتين من مصر.

وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أنه بعيداً عن المعالجة الخاطئة من قبل الحكومة للأزمة منذ البداية، إلا أنه يحسب لها وللرئيس عبدالفتاح السيسى الاحتكام إلى القضاء، ورفض الاستجابة لضغوط المملكة، لافتاً إلى أنه يجب على السعودية أن تتفهم أن مصر دولة مؤسسات وأن هذه القضية ما زالت أمام القضاء وهو من سيقول كلمة الفصل فيها لفك مسارات الأزمة.

وأشار إلى أن السعودية قامت بتسييس أزمة «تيران وصنافير»، بعد الموقف المصرى فى الأمم المتحدة تجاه سوريا والذى كان معارضاً للموقف السعودى، فلجأت إلى وقف إمداد مصر بالبترول، وبدأت تصعد فى علاقتها مع مصر خاصة بعد زيارة مستشار الملك سلمان لإثيوبيا وسد النهضة، فى حين أنه يجب أن تتفهم وتضع الأمور فى سياقها، لاسيما أن مصر حريصة على استمرار علاقة الأشقاء ولم ترفض أى وساطة قامت بها الكويت والإمارات، ولم يهاجم الرئيس السيسى السعودية، موضحاً أن مصر صابرة ولكن إذا استمرت السعودية فى التصعيد والعمل ضد مصالح مصر، فسيكون هناك روادع سياسية واستراتيجية ضدها.


مواضيع متعلقة