«الوطن» ترصد: طلاب يمارسون «الطب» بلا شهادة.. والمرضى هم الضحايا

كتب: إمام أحمد

«الوطن» ترصد: طلاب يمارسون «الطب» بلا شهادة.. والمرضى هم الضحايا

«الوطن» ترصد: طلاب يمارسون «الطب» بلا شهادة.. والمرضى هم الضحايا

لم يعد «البالطو الأبيض» كافياً لطمأنة المريض، فهو لم يمنع من وقوع العديد من حالات الإهمال الطبى فى العيادات والمستشفيات الحكومية والخاصة على حد سواء، لا سيما إذا كان هذا «البالطو» يرتديه طالب لم ينته من دراسته الجامعية بعد، ولم يحصل على شهادة تفيد بصلاحيته لممارسة تلك المهنة السامية، إلا أن «باب التدريب» الذى دخل منه حتى وصل إلى سرير المريض، مكنه بعد ذلك من مزاولة جميع المهام سواء كان مشروع طبيب أو ممرض، لتبدأ منذ هذه اللحظة «أزمات» لا حصر لها، سببها هو غياب الكفاءة والخبرة والإهمال أيضاً.

{long_qoute_1}

«هبة محمد عبدالعزيز» 26 عاماً من أبناء محافظة السويس، كانت واحدة من ضحايا تلك الأزمة، حيث اتهمت أسرتها مستشفى خاصاً بالسويس بمنطقة الأربعين، بالتسبب فى دخول ابنتهم فى غيبوبة منذ أكثر من أسبوع، بسبب الإهمال والاستعانة بممرضة طالبة بالصف الأول الثانوى تمريض تسببت فى تدهور حالتها بعد حقنها بشكل خاطئ، «عرفنا إن الممرضة لسه بتدرس فى ثانوى، وإدت لبنتى حقنة مضاد حيوى غلط عملت لها حساسية شديدة ودخلتها فى غيبوبة»، يقول محمد عبدالعزيز، والد الفتاة، موضحاً أن أحد الأطباء بالمستشفى الذى أجرى لابنته الولادة القيصرية أكد لهم أن السبب فى غيبوبة «هبة» وتدهور حالتها الصحية هو حقنة المضاد الحيوى الخاطئة التى حقنتها بها الممرضة، وأدت لإصابتها بضيق فى التنفس وسارعوا بإجراء إنعاش للقلب للحفاظ على حياتها.

أسرة «هبة» تقدمت ببلاغ فى نيابة السويس التى بدأت التحقيق فى المحضر رقم 850002 جنح السويس، قد تنتهى التحقيقات بإدانة المسئولين عن الواقعة بالمستشفى فى مقدمتهم الممرضة التى لا تزال طالبة بالصف الأول الثانوى، لكن ذلك لن يعيد عقارب الساعة للوراء ليجنب الأم حديثة الولادة الخطر الذى لا تزال تواجهه، ويدعو لها أهلها وذووها أن تخرج منه سالمة، يضيف والدها: «بادعى لها فى صلاتى، ربنا يقومها بالسلامة، ويجازى اللى كان السبب بإنه يعرض حياة الناس للخطر».

ليست «هبة» وحدها، حالات أخرى عديدة عانت من الأمر نفسه، الذى تحول إلى واقع، بحسب أحد طلاب السنة الأخيرة بكلية طب جامعة القاهرة، رفض ذكر اسمه، موضحاً أن بعض الطلبة يحضرون نبتشيات بديلاً عن الطبيب المختص، إضافة إلى أنهم يتم تكلفتهم بمتابعة حالات معينة، نظراً لانشغال الطبيب أو تحت أى ظروف مختلفة، يقول: «الموضوع ده منتشر جداً، والطلبة مابترفضش، بالعكس شىء بيسعدنا لأننا بنكتسب خبرة، واللى بنعرفه بنعمله، ولو نقطة مش فاهمينها فى تشخيص أو متابعة الحالة بنلجأ إلى الطبيب، وبالنسبة للدكاترة فبعضهم عنده عياداته أو محاضرات أو مشغول بأبحاثه وبالتالى مابيكونش فاضى بشكل كامل»، يرى أن الأمر يشكل نوعاً من المصلحة المتبادلة: «يعنى أنا بستفيد، والطبيب كمان بيستفيد»، لكن تلك المبادلة تأتى فى حالات عديدة على حساب المريض، إلا أن طالب «الامتياز» الذى التقته «الوطن» فى مستشفى قصر العينى التعليمى، يرى أن الاعتماد على طالب بكلية الطب أو ممرض لا زال قيد الدراسة «أهون» بحسب وجهة نظره من أوضاع أخرى يصل فيها الاعتماد على عامل أو موظف لا علاقة له بالطب والتمريض من الأساس، «أنا شفت حالات بكده فعلاً، والطبيب يقول ده راجل عنده خبرة ومعانا بقاله 20 سنة واتعلموا منه، وهو لا بيكون له علاقة بالطب ولا دارس حاجة وممكن يبقى شغال خدمات، وفيه منهم اللى بيدى حقن ومحاليل ويتابع حالة مرضية ويغير على جروح وكسور، خاصة فى أقسام العظام».

أسباب عديدة وراء الأزمة التى تشهدها عديد من المستشفيات والعيادات، منها الزيادة فى أعداد الطلبة والخريجين الجدد الذين يكونون فى حاجة إلى تدريب، فى مقابل عدم تفرغ العديد من الأطباء والأساتذة لأداء واجبهم بين المرضى، الدكتور محمود المتينى، أستاذ زراعة الكبد وعميد كلية الطب بجامعة عين شمس، يؤكد أن التفرغ هو الخطوة الأولى لمواجهة هذه الأزمة، والارتقاء بالخدمة الطبية المقدمة عموماً، لا سيما فى المستشفيات الجامعية، موضحاً: «دى أزمة حقيقية وموجودة ولا أحد يمكن أن ينكرها، فلدينا على سبيل المثال فى طب عين شمس 4 آلاف و500 عضو هيئة تدريس ابتداء من المعيدين حتى الأساتذة، ولا بد من فتح هذا الملف المعلق منذ عشرات السنوات للارتقاء بكليات الطب ومن ثم الارتقاء بمنظومة الخدمات الطبية»، يرى أن التفرغ هو الحل المثالى لتغيير الواقع المؤلم الذى تعيشه المستشفيات الجامعية، والعديد من بلدان العالم أقبلت على هذه الخطوة منذ وقت طويل: «لا يمكن أن يعمل عضو التدريس فى الحكومى والجامعى والخاص وعيادته الخاصة فى نفس الوقت، فالنتيجة ستكون ما نحن عليه الآن، لأن الطبيب لن يضحى بعمله الخاص من أجل نبتشية أو عدد ساعات يقضيها فى المستشفى، وبالتالى يتم الاعتماد على من هم دون الخبرة والكفاءة»، فى الوقت نفسه يرى أنه حال إقرار هذه السياسة الجديدة يمكن السماح للأطباء بممارسة نشاط خاص لكن من خلال عيادة داخل المستشفيات الجامعية نفسها، وهذا حادث فى جامعات فرنسا والغرب بصفة عامة، فالتفرغ لا يقتل العمل الخاص بل يساعد على التطوير، وهذا لا يحدث فى الطب فقط، يؤكد «المتينى» أن الأزمة الموجودة حالياً تشكل وجهاً من وجوه الفساد الكبير، الذى يعرض حياة المرضى للخطر، فضلاً عن أنه يضعف من مستوى الخدمة الطبية، «الفساد لا ينحصر فقط فى السرقة والرشوة، لكن الكسل والتراخى والإهمال والاعتماد على أشخاص غير مدربين أو غير مؤهلين بشكل جيد هو أيضاً نوع من أنواع الفساد، ويجب أن نحاربه جميعاً».


مواضيع متعلقة