باحثو معمل الفيروسات: نمتلك تكنولوجيا فريدة فى عزل السلالات الأكثر ضراوة

كتب: نادية الدكرورى

باحثو معمل الفيروسات: نمتلك تكنولوجيا فريدة فى عزل السلالات الأكثر ضراوة

باحثو معمل الفيروسات: نمتلك تكنولوجيا فريدة فى عزل السلالات الأكثر ضراوة

أجرت «الوطن» جولة داخل أروقة المعمل الأول فى مصر لـ«الفيروسات» بمركز التميز العلمى لأبحاث الإنفلونزا، بعد أن اجتازت بوابة مصفحة صُممت خصيصاً لإبعاد أى تأثير من درجات حرارة مرتفعة ناتجة عن حوادث مفاجئة عن مكونات المعمل لمدة ست ساعات متصلة.

فى المقابل يجلس مجموعة صغيرة من الباحثين أمام شاشات الحاسوب، فى مكتب صغير ملحق بالمعمل الرئيس، يمكن اعتباره معملاً نظرياً صغيراً تُترجم كلماته لتجارب علمية بالحائط المجاور له.

وننتقل من السكون الذى يخيم على الباحثين بالمكتب، إلى النشاط والحركة الذى لا ينقصه التركيز بمجرد أن نجتاز بوابة معمل الفيروسات، نتعثر فى باحث يجلس أمام صندوق حديدى أفقى الشكل يحوى بداخله مجموعة من الأوعية المستطيلة المجمدة، عرفنا بعد ذلك بأنها الفيروسات المعزولة، ما جعلنا ننتبه جيداً لنصيحة مشرف المعمل، الدكتور محمد أحمد على، قبل الدخول قائلاً: «بلاش تلمسوا حاجة».

ولا تخلو مساحة داخل الحجرة الرئيسة للمعمل دون أن تُستغل إما بوضع أجهزة طولية مختلفة أشبه بثلاجات لحفظ الفيروسات، وأخرى لإجراء التجارب على العينات التى يجمعها الباحثون من الدواجن بصفة دورية لفحصها والتأكد من حملها للفيروس من عدمه، وهى أجهزة مجتمعة ومتراصة بشكل شبه متلاصق يجعل المعمل يحوى مجموعة متكاملة من الأجهزة المعنية بعزل وفحص الفيروسات جعلت منه معملاً فريداً يوفر مجهود الباحثين بمجال الفيروسات، ويقلل من الفترة الزمنية التى يستغرقها الباحث للمرور على عدد من المعامل لفحص العينات، فى الوقت الذى تتوفر فيه الأجهزة العلمية بأكملها على بعد إنشات صغيرة داخل معمل فيروسات القومى للبحوث. يلفت انتباهك القفازات البلاستيكية البنفسجية التى يرتديها جميع الباحثين بالمعمل، وتوجد بكميات كبيرة فى علب كرتونية فى معظم أركان المعمل، وارتداء البعض منهم لكمامات بشكل دائم فى بعض أركان المعمل، ما يدل على التزام الباحثين بتعليمات السلامة والصحة داخل المعمل.

وتفضى الحجرة الرئيسة للمعمل لحجرة أخرى أقل لا تختلف كثيراً فى عدد الأجهزة المتراصة، والمختلفة فى الشكل والحجم، ولم تبق الحوائط الأربعة دون أن تتحول لأرفف تحوى أوعية عينات فارغة، وغيرها من الأدوات والأغراض المختلفة، يتوسط الحجرة بنش معملى كبير يكاد يترك مساحة للحركة من حوله يعلوه مجموعة من الأرفف لتوفير مساحات إضافية داخل المعمل لوضع بعض المهمات أبرزها كربونات البيض التى يجرى عليها الحقن بالفيروسات، وغيرها من الأدوات المستخدمة.

ويفصل لوح زجاجى كبير منطقة داخل الغرفة الفرعية للمعمل، تخص الاختبارات التى يجريها الباحثون على خلايا حيوانية تستجلب من خارج مصر، بجانب اختبارات حقن الفيروس فى البيض، أى بمثابة حامل له، ضمن عمليات تحفيز تكاثر الفيروس بداخل حامل له سواء البيض أو الخلية تمهيداً لاستخلاص اللقاح.

«خلية أرجوانية»، هذا هو شكل الخلية الحيوانية داخل المجهر، الذى يعد الجهاز الرئيس فى جزء اختبارات الخلايا يمكّن الباحثين من فحص الخلايا بعد حقنها بالفيروسات.

ينتهى المعمل بحجرة تحت التجهيز، من المقرر أن يعمل مركز التميز على تجهيزها وفقاً للمعايير العالمية لتوفر مناخاً أكثر أماناً لباحثى المعمل، وهم 11 باحثاً، أثناء عمليات التجارب المعملية على الفيروسات المختلفة، بما يحافظ على الباحث وبيئة العمل من حوله. «رحلة فحص الفيروس»، هكذا سماها الدكتور أحمد مصطفى، الباحث بمركز التميز العلمى لأبحاث الإنفلونزا، الذى اصطحب «الوطن» فى جولة داخل المعمل، تبدأ بتسلم العينات التى يجمعها فريق متخصص من البيطريين من الحقل المختلف، وتبدأ فى الدخول للمعمل من خلال أكواد تمهيداً لإجراء اختبارات يمكن من خلالها تحديد ما إذا كانت العينة إيجابية، أى حاملة لفيروس الإنفلونزا، أو سلبية غير حاملة له.

وأضاف «مصطفى» أنه عقب التأكد من أنها عينة إيجابية نبدأ فى إعطائها كوداً وعمل نسخ كثيرة منها، ووضعها تحت درجة «سالب 80»، ونبدأ عملية عزل المادة الوراثية للفيروس فى حاضنات مخصصة لذلك، وهو العزل الذى ينتهى بتكسير المادة الوراثية للفيروس لتحويله إلى درجة أقل فى الضراوة يمكن من خلاله إنتاج اللقاح.

وأشار الباحث بالمركز إلى أنه عقب استخلاص المادة الوراثية، تبدأ عمليات تسمى بـ(تفاعل البلمرة)، مضيفاً: «ثم نحقنها فى البيض الذى يكون بعمر يوم، أو فى خلايا حيوانية نستوردها من جهة أمريكية لقلة تكلفة الاستيراد مقارنة بتجهيز الخلايا محلياً، ويصل العمر المثالى لعزل الفيروس ما بين 11 و12 يوماً فى درجات حرارة معينة داخل الحاضنات»، منوهاً بأنهم يترقبون التغيرات التى تحدث للفيروس عقب عزله، وما إذا طرأ عليه تغيرات، وتجميع معلومات عن مدى تطور الفيروس يمكن أن تزيد من شدة ضراوته، واحتمالية انتقاله من الحيوان إلى الإنسان. وأسهمت الهندسة الوراثية العكسية -كما ذكر «مصطفى» - فى إحداث طفرة فى الفترة الزمنية التى يمكن من خلالها التوصل إلى لقاح بعد عزل الفيروس، بأن استغرق أياماً بدلاً من أسابيع، مشيراً إلى أن ما يميز المعمل أنه يكاد يكون المكان الوحيد فى مصر الذى يجمع جميع الأجهزة اللازمة لفصل وتحليل سلالات الفيروسات والتعامل معها فى دائرة متكاملة.

وأضاف: «نعمل من خلال المعمل على حل مشكلات قومية، وهو الهدف الرئيسى لنا مثلما يحدث مع التوصل للقاحات لفيروس إنفلونزا الطيور، للحد من انتشار الفيروس، ولا نعكف على إجراء أبحاثنا فى المعهد من أجل الترفيه بل توجه مباشرة إلى وضع حلول لمشكلات قومية من خلال رؤية يمتلكها المعمل ويعكف على تنفيذها».

ويعد المعمل -كما ذكر الباحث - من أوائل المعامل على مستوى العالم التى عزلت فيروس «كورونا» المنتشر فى 20 دولة، والمعمل الوحيد فى مصر الذى استطاع عزل الفيروس ووجدناه فى «الجمال» بالتعاون مع هيئة الخدمات البيطرية، ويعمد المعمل إلى استباق الأحداث واكتشاف احتمال وقوع المشكلات، فى حال اختلاط أنواع مختلفة من الفيروسات.


مواضيع متعلقة